السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أنا فتاة أبلغ من العمر عشرين عاما، خطبت قبل عام وعقد قراني، ولكن قدر الله وما شاء فعل، فبعد مدة من العقد تم فسخ القران ووقع الطلاق، وكان ذلك بطبيعة الحال دون الدخول أو إتمام الزواج.
لقد مضت ثلاثة أشهر على انفصالنا، وأنا ما زلت أنتظر أن يأتي نصيبي ويعوضني الله عز وجل خيرا، غير أن المشكلة تكمن في أنه لم يتقدم أحد لخطبتي خلال هذه الفترة.
ومما يقلقني أنني (والله) أحاول جاهدة أن أفعل كل ما يرضي رب العالمين لتيسير أموري؛ فأنا أحافظ على قيام الليل والدعاء، وأصوم ما علي من أيام قضاء، كما أنني عاكفة على تثبيت حفظي للقرآن الكريم.
ومع ذلك، يتسلل الخوف إلى نفسي من فوات قطار العمر، فحلمي الأكبر هو الاستقرار، وأن تكون لي عائلة صالحة وأبناء، فبماذا تنصحونني؟
وأرجو منكم الدعاء لي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم أمية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أسأل الله أن يعوضك عما فاتك خيرا منه، وأن يرزقك بمن تقري به عينا، ويسعدك وتسعديه.
أختي الكريمة، ثلاثة أشهر من بعد فسخ عقدك ليست كثيرة حتى تشعري أن هناك مشكلة في عدم تقدم أحد لك، وعشرون عاما في المقاييس الحالية عند الناس لا يجعلك في مرحلة الكبر أو الخطر.
أقول هذا الكلام حتى تستعيدي توازنك وثقتك بنفسك، وتتعاملي بهدوء مع ذاتك؛ فالعيش تحت وطأة الخوف من العنوسة وعدم وجود الزوج، هو ما يجعل بعض الفتيات توافق على أي خيار دون تمحيص، كما أن المبالغة في وضع الشروط وافتراض النموذج المثالي يؤدي بلا شك إلى تفشي العنوسة وضياع الفرص، وما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، كما في الحديث: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما.
أما ما تقومين به من صلاة وصيام، ودعاء وقراءة القرآن؛ فإنه لا شك خير كبير ومفتاح من مفاتيح الرزق (والزواج رزق)، ولكن لا تعاملي الله -سبحانه وتعالى- بالمقايضة، فتفترضي أن كل عبادة تقومين بها لا بد أن تقابلي عليها بالعطاء أو الرزق أو ما شابهه، وبالصورة التي تحدديها وتطلبيها؛ فقد يدخر الله للعبد أعظم مما يطلبه، وعبادتنا له سبحانه مبنية على الاستسلام لأمره والتسليم لقضائه، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، قال تعالى: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}، ولكنه إنما يكون ذلك بالصورة والزمان والمكان الذي يختاره الله وليس الذي نختاره نحن، وقد يحرمنا الله من اختياراتنا لأنفسنا لعلمه بأنها علينا لا لنا، فيكون اختياره لنا خيرا من اختيارنا لأنفسنا، قال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.
أختي الكريمة، أوصانا النبي ﷺ بأن نحرص على ما ينفعنا، كما في الحديث: احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وما ينفعنا ليس الأماني ولا انتظار المجهول، وإنما أي عمل يعود علينا بالنفع، وإذا اجتهدت في رفع كفاءتك الذاتية في المهارات الحياتية المختلفة كتدبير المنزل، أو رفع كفاءتك التربوية، أو رفع معلوماتك حول التعامل مع الزوج، أو رفع وعيك المعرفي وتأهيلك الشرعي؛ فإن هذا كله مما ينفعك، ومما قد يكون عامل جذب إليك قبل الزواج، وعامل نجاح لك بعد الزواج بحوله تعالى.
كما إن الانخراط في بعض الأنشطة النسائية المجتمعية، وعدم الانعزال التام عنهم، يفتح أبواب المعرفة بدوائر أكبر من معارفك الحاليين، وهو يزيد من فرص الزواج، بحوله تعالى.
وأخيرا: قد تحتاجين بشكل عام إلى ضبط انفعالاتك ومشاعرك، وعدم التماهي معها بشكل مطلق؛ فالانطلاق مع الانفعالات إلى أقصى اليمين أو اليسار غالبا ما يكون مؤذيا للنفس والروح، فكوني مطمئنة وزيدي من ثقتك بالله، ولا تجعلي من موضوع الزواج وقلقك من تأخره -إن سلمنا بذلك-، عاملا في تعطل كامل حياتك بسببه؛ فالحياة أوسع من أن نحصرها في زاوية واحدة.
وفقك الله لكل خير، ويسر لك الزوج الصالح والحياة السعيدة.