أحاول إصلاح أسرتي وأخشى أن أعود إلى نقطة الصفر

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نشأت في كنف عائلة مضطربة نفسيا منذ طفولتي، كانت لغتها الأولى في التعامل هي الضرب والصراخ، والاهتمام المفرط بكلام الناس وإرضائهم، وقد حاولت تعويض ألمي وحرماني بالانكباب على الدراسة، ولكن نظرا لالتصاقي الدائم بأهلي، ضعفت شخصيتي، وصرت أنتقد الساعين والناجحين، وأقضي وقتي في اللهو، حتى تعثرت في دراستي وحصدت أدنى الدرجات، حينها علمت أن الحياة قاسية وليست وردية كما توهمت، وحبست نفسي داخلها، وفي المقابل ليست خطرة لدرجة أن أتمسك بأهل مؤذين.

والحمد لله على ما وصلت إليه؛ فقد تقبلت تقصيرهم وتقصيري في حق نفسي، وظلمهم لي وظلمي لغيري، وطويت تلك الصفحة إلى غير رجعة.

أنا الآن أعمل ليل نهار، وأحمل التقدير لنفسي، ولكن بقيت لدي بعض الإشكاليات التي أود حلها والاستشارة عنها؛ كيلا أخفق وأعود إلى نقطة الصفر، وقد تبادرت إلى ذهني هذه الأسئلة إثر نقاش دار بيني وبين أمي:

السؤال الأول:
نعلم جميعا أن الضرب المبرح خطأ، وأمي توافقني الرأي في ذلك، لكنها تذكرني دوما بموقف أختي المراهقة قبل سنوات، حين هددت والدي تهديدات شديدة وظالمة إن لم يمتثل لمطالبها (كأن يأخذها إلى السوق مثلا)، إذ كانت تقضي ليلها ونهارها في متابعة مشاهير من نعموا في الدنيا، فكانت لا تقنع بما يجلب لها مهما كلف، وتشتري بمبالغ طائلة رغم أن دخلنا محدود.

وكان والداي يطلبان منها الصمت فلا تصمت، ولا تكف عن الإلحاح وسوء الأدب، وبناء على هذا، أريد معرفة الحكم الشرعي في هذا الموقف اللحظي تحديدا (أما ما بعده فلا بد فيه من العلاج النفسي): ما التصرف الصحيح والشرعي عندما يصل انفعال الطرفين إلى ذروته؟

السؤال الثاني:
كنت لسنوات طوال غارقة في بحر اليأس، وبسبب ذلك غدا بيتنا أسوأ بيوت الحي؛ إذ تراكمت فيه القاذورات وعشش فيه الفقر المدقع، ومنذ سنة خلت وأنا أحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه بمفردي، ورغم بقاء أشياء تتطلب مبالغ مالية، إلا أنني أخطط وأعمل لكسب الرزق.

المشكلة الحالية أن البيت كبير علي في تنظيفه وترتيبه، ولا نملك المال الكافي لاستقدام خادمة، والمسؤوليات لا تنتهي؛ فأنا من يغسل صحون الطعام، وأقوم على شؤونهم، ثم أعود من الجامعة مرهقة فلا أجد وقتا للراحة لكثرة أعمال البيت، دون جدوى أو تقدير.

وخلاصة الأمر أنني عندما أتمكن من جلب المال قريبا -إن شاء الله- سأصطدم بواقع إخوتي؛ إذ لديهم عادات سيئة تحكمهم: يغرقون في متابعة الإنترنت طوال اليوم، مما يقعدهم عن العمل، وإحدى أخواتي تسير على خطى شخصيتي القديمة؛ تعزل نفسها مع هاتفها، فإذا واجهت الواقع جزعت ويئست، رغم أنها لو تركت الهاتف وعملت على تغيير الواقع، لتغير وسع حالها وحال الواقع من حولها.

أما أخي الأكبر فهو عالة لا يعمل، يقضي وقته في الألعاب مستهلكا شبكة الإنترنت، وأمي تدللـه دلالا مفرطا وتفضله، ورغم رغبتها في التغيير، إلا أنها ترفض أي نصيحة توجه إليه.

اعتبروني ابنتكم وأعطوني نصائح عملية: هل أسعى في هداية أهلي وإصلاحهم أم أتوقف؟ وهل أستمر في نصحهم أم أكف عن ذلك؟ وما العادات الصحيحة التي يجب أن أتبعها لأحمي نفسي أولا، ثم أغير من حولي؟

على الصعيد الشخصي، أنا أعرف ما يجب علي فعله لنفسي، لكنني أجد صعوبة وإخفاقا في التعامل مع الآخرين.

إنني أكتب مشاعري، حيث أشعر في داخلي بأنني متحاملة على والدي، رغم أنني أجاملهما في الظاهر؛ لذا فإن سؤالي الجوهري والمهم هو: ما هو البر؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جولييت .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك لتواصلك معنا وثقتك بموقعنا.

أختي الكريمة، قرأت رسالتك بتأمل وتقدير، ووقفت عند كل سطر منها؛ لأن وراء كل كلمة روحا صادقة تكافح لتبني نفسها، وتعيد صياغة حياتها من جديد.

ما وصفته من رحلة الألم ثم اليقظة ثم السعي الدؤوب يشهد على شيء نادر، وهو الوعي الحقيقي بالذات، لن يكون جوابنا مختصرا؛ لأن سؤالك ليس مختصرا، وجوابنا بالترتيب.

بخصوص السؤال الأول: ما التصرف الصحيح في لحظة الانفعال الحاد من الطرفين؟

أختي الكريمة، أشرت إلى موقف أختك المراهقة، وتساءلت عن الحكم الشرعي في اللحظة التي تشتعل فيها المشاعر، ونشير بداية إلى أن تفاصيل هذه المسألة الفقهية تحتاج إلى سؤال أهل العلم الشرعي المختصين مباشرة، ونكتفي هنا بالإرشاد العام المستمد من هديه ﷺ.

في اللحظة التي يبلغ فيها الانفعال ذروته من الطرفين، فإن الضرب نادرا ما يؤدي إلى هدفه، بل كثيرا ما يزرع جرحا إضافيا، ويكرس في النفس صورة سلبية عن القوة والسلطة، وقد كان النبي ﷺ حين جاءه رجل يطلب النصيحة يجيبه بكلمة مكررة ثلاثا هي: لا تغضب، ثم أرشد إلى أن من كان واقفا فليجلس، ومن كان جالسا فليضطجع، وأن يتوضأ، وأن يغادر المكان إن أمكن، وهذه ليست نصيحة نظرية، بل هي برنامج نفسي حكيم يعلم الإنسان كيف يكبح جماح عاطفته قبل أن تصدر عنه أفعال يندم عليها.

أما ما وصفته من سلوك أختك المراهقة، فهو في حقيقته صرخة من فراغ داخلي تعجز عن ملئه، وإدمان متابعة المشاهير ومحاكاة أسلوب حياة بعيدة عن الواقع، دليل على أزمة هوية لا تحل بالمواجهة الانفعالية، فاللحظة الحادة ليست وقت التعليم ولا الإصلاح، بل وقت الاحتواء والتهدئة، وما بعد اللحظة هو الوقت الصحيح للحوار الهادئ، ومن الحكمة -بعد مرحلة الهدوء- أن يلجأ إلى متخصص في سلوكيات المراهقين للمساعدة في علاج الجذر لا القمة.

بخصوص السؤال الثاني: هل تنصحين أهلك أم تتوقفين؟ وكيف تحمين نفسك أولا؟
ما تحملينه من أعباء البيت والجامعة والإصلاح في آن واحد كبير وثقيل، ونود أن نقول لك بصراحة ومحبة: أنت لست مسؤولة عن إنقاذ الجميع، وليس في طاقة إنسانة واحدة أن تغير من لا يريد التغيير، ولكنك مأجورة على كل حال.

فيما يخص النصيحة لأهلك، فالأصل أن تكون مرة واحدة، واضحة ورقيقة، وفي الوقت المناسب، ثم تتركين النتيجة لله، والتكرار المستمر يستنزفك ولا يضيف شيئا، وما ذكرته عن أخيك الكبير الذي تحميه والدتك ولا تقبل النصيحة فيه؛ فهذا شأن والدتك في الأصل، قولي ما تعتقدين أنه صواب مرة، ثم اتركي البقية لله.

أما حماية نفسك فهي أولوية حقيقية وليست أنانية، ومن الأمور التي ستعينك بإذن الله:

الأمر الأول: حددي مساحة صغيرة في البيت تكون نظيفة ومرتبة خاصة بك، ولو كانت زاوية غرفتك، واجعليها ملاذك اليومي من فوضى ما حولك.

الأمر الثاني: لا تجعلي إنجازك مشروطا بمشاركة غيرك، اعملي ما في طاقتك، واقبلي أن الباقي ليس في يدك؛ فالله هو الذي يصلح القلوب ويقلب الأحوال.

الأمر الثالث: خصصي وقتا يوميا لنفسك ولو ربع ساعة، تجددين فيه طاقتك بالذكر أو قراءة القرآن أو المشي أو أي شيء يريح روحك.

الأمر الرابع: حين يتيسر الرزق كما تخططين، ابدئي باتفاق واضح على توزيع المهام قبل أن تبدئي في الإنفاق، ولا تتحملي وحدك ما يمكن توزيعه.

واعلمي -أختي الكريمة- أن القدوة الصامتة أقوى من النصيحة الصاخبة، فأختك التي تعزل نفسها بالهاتف قد تتأثر برؤيتك تنجحين وتتقدمين وتبنين حياتك بصمت أكثر مما تتأثر بأي كلام.

السؤال الأهم: ما هو البر؟
أختي الكريمة، هذا هو قلب رسالتك كلها، وهو سؤال يسكن كثيرا ممن نشؤوا في بيوت بها جراح، فيجدون أنفسهم واقفين بين واقع مؤلم وأمر ديني عظيم، ويتساءلون: كيف أجمع بين الاثنين؟

لنبدأ بما ليس برا، فالبر ليس صمتا أبديا عن كل خطأ، وليس إلغاء لمشاعرك أو كتمان ألمك حتى ينفجر من مكان آخر، وليس قبولا لكل تصرف وتبريرا لكل أذى، وليس تضحية بنفسك حتى لا يبقى منك شيء تقدمينه لأحد.

وأما ما هو البر، فانظري ماذا قال الله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما}.

تأملي -أختي- ما تأمر به الآية الكريمة: {فلا تقل لهما أف}، أي لا تهن ولا تحتقر، {وقل لهما قولا كريما}، أي لتكن لغتك معهم راقية ومحترمة، ولم تقل الآية الكريمة: وافقيهما في كل شيء، ولم تقل: اكتمي كل ألم.

البر في جوهره إحسان في التعامل، وكرم في اللسان، وطيب في العشرة في حدود ما تستطيعين، وهذا ما تفعلينه فعلا حين تتعاملين مع والديك بلغة محترمة وتجاملينهما، أما ما يدور في داخلك من حزن على طفولة أخذت منك، وألم من أسلوب تربية ليس صحيحا، فهذا شأن بينك وبين نفسك، وبينك وبين الله، وهو ليس عقوقا ولا ذنبا.

الكتابة التي تكتبينها لنفسك، والتي تحسين فيها أنك متحاملة على والديك، هي علاج صحي لا جريمة، ما دام ما في داخلك لا يخرج في صورة إهانة أو قطيعة أو إيذاء فعلي، فهي مساحة صحية لمعالجة ألم حقيقي، وقد حمل كثير من الصالحين في قلوبهم آلاما عميقة من بيوتهم، بينما كانت أيديهم تخدم وألسنتهم تلين، وهذا هو التوازن الذي يبلغه من يفهم البر فهما ناضجا.

البر الحقيقي في حالتك يعني أن تواصلي الخدمة والكلام الطيب مع والديك، وأن تعطي نفسك في الوقت ذاته حق الشفاء الداخلي دون أن تحكمي على نفسك بالعقوق، وأن تعرفي أن الشعور بالألم من ماض صعب ليس تناقضا مع البر، بل هو إنسانية طبيعية تحتاج إلى رعاية، وقد قال ابن مطروح:
وعصيت حتى نلت ما أملته ... والصبر محمود على الإطلاق

وأنت تسيرين على هذا الدرب بوعي يستحق الإشادة.

أخيرا: إذا استمر وضعك النفسي مقلقا، فنوصيك بالتواصل مع أخصائية نفسية متخصصة في الصدمات الأسرية؛ فما مررت به في طفولتك من بيئة مضطربة يستحق أن يعالج مع متخصص، لا لأنك مريضة، بل لأنك تستحقين أداة أقوى مما تستطيعين تقديمه لنفسك وحدك، وطلب المساعدة النفسية من أسمى صور الحكمة والاعتناء بالنفس.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يجعلك سببا للخير في بيتك وأسرتك، وأن يداوي جراحك القديمة، ويمنحك السكينة والاستقرار الذي تستحقينه، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات