السؤال
السلام عليكم شيخنا، جزاكم الله خيرا.
أنا أعمل -والحمد لله- وأساهم بجزء كبير من راتبي في إعالة أسرتي، بينما لم يوفق أخي وأختي بعد في إيجاد عمل.
مشكلتي أن أختي تربط علاقتها بي بالماديات، وتؤذيني نفسيا وسلوكيا إذا لم ألب بعض طلباتها، حتى إنني إذا لبيت لها طلباتها لا تتغير، بل تستمر في الأذى، ولا تحب لي الخير، حتى إن والدي وإخوتي يلاحظون غيرتها وحقدها علي، وهذا يجعلني أحيانا أغضب وأنفعل بسبب تصرفاتها.
في بعض الأوقات أفكر في الامتناع عن الإنفاق عليها، لكنني لا أستطيع، بعد ذلك أشعر بتأنيب شديد، وأخاف أن يكون غضبي وانفعالي قد أضاع أجر ما أقدمه من إحسان ومساعدة لأسرتي، ولها بشكل خاص!
سؤالي: هل غضبي وانفعالي بسبب أذاها لي يذهب أجر الإحسان والإنفاق الذي أقوم به؟ وكيف أتعامل معها شرعا دون ظلم لها أو لنفسي، خاصة أنني لم أعد أستطيع الإنفاق على نفسي بما يتلاءم مع دخلي ووظيفتي؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ كوثر .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بموقعنا، ونسأل الله تعالى أن يخلف عليك كل ما تنفقينه على نفسك وعلى أسرتك، وأن يزيدك هدى وصلاحا وتوفيقا.
نحن نكبر -أيتها البنت العزيزة- خوفك من أن يحبط عملك ويذهب أجرك، وهذا الشعور توفيق من الله تعالى ساقه إليك لتحافظي على حسناتك وأعمالك، ونسأل الله تعالى أن يعينك وييسر لك كل خير.
أولا: نحب أن نؤكد -أيتها الكريمة- أن ما تفعلينه من إنفاق على أسرتك وإخوانك وأخواتك هو خير كبير، وأجر عظيم؛ فإن الصدقة من الأعمال الجليلة التي يحبها الله تعالى ويرضى عن صاحبها، وقد وعد صاحبها بأجور كثيرة في دنياه وفي أخراه، وقد قال ﷺ: كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس أو قال: المرء في ظل صدقته يوم القيامة، وقال: إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته وورد في الصحيحين أن المنفق مثله كمثل رجل عليه جبة من حديد، من صدره إلى تراقيه، فلا ينفق إلا سبغت تلك الجبة أو وفرت على جلده، حتى تخفي بنانه، وتعفو أثره.
وجاءت الآيات الكثيرة من القرآن العزيز في بيان أجر الصدقة، وأن الله تعالى يحب المتصدقين، وأنه يخلف عليهم؛ فقد قال: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}، ووعد المنفق بأن تدعو له الملائكة كل صباح بالخلف والتعويض، ووعده بمضاعفة الأجر والثواب.
فالصدقة لا شك ولا ريب أنها من أعظم الأعمال، وأجملها، وأنفعها لعباد الله، فتذكرك لكل هذا الثواب يحفزك على الاستمرار على ما أنت عليه من الخير في إعانة أسرتك وأهلك.
وأما تقديمهم على نفسك، فإن كان في شيء ضروري تحتاجينه أنت، فالرسول ﷺ قد علم الإنسان أن يبدأ بالنفقة على نفسه؛ فقد قال والحديث في صحيح مسلم: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل عن نفسك شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك.
فهذا الترتيب مطلوب في تقديم ما قدمه الله، وتأخير ما أخره الله، ولكن إذا لم يكن الإنسان متضررا، وقدم غيره على نفسه، فهذا إيثار، والإيثار من أكرم الأخلاق وأعلاها التي يحبها الله، وقد وصف الله تعالى الأنصار في مدينة رسول الله ﷺ بالإيثار، فقال: {ويؤثرون علىٰ أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولٰئك هم المفلحون}.
فمن وصل إلى أن يتخلق بهذا الخلق العظيم، فهذا فضل عظيم، وتوفيق كبير وفقه الله تعالى إليه، فاسألي الله تعالى أن يعينك على ما يرضيه عنك، وأن ييسر لك الخير، وأن يخلف عليك كل ما تبذلينه وتنفقينه؛ فإن الله تعالى كريم وهاب.
وأما ما ذكرته من شأن إيذاء أختك لك، فنوصيك -أيتها العزيزة- بأن تصبري وتحتسبي إيذاءها؛ فإن الصدقة على القريب الكاشح أجرها أكبر من الصدقة على القريب المحب، كما قال ﷺ: أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح والقريب الكاشح: القريب الذي فيه عداوة وبغضاء؛ فاصبري واحتسبي.
ولكن انفعالك إذا كان في الحدود الشرعية التي يجيزها الله تعالى في الانتصار للنفس من الظالم، كما قال الله عز وجل: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم}، فالاقتصاص بقدر الحق لا يبطل أجرك، ولا يؤثر في صدقتك، أما إذا زدت على ذلك، فهذا الذي يخشى منه أن يكون سببا في إحباط بعض عملك، وذهاب بعض أجرك.
فاحرصي على ضبط انفعالاتك بالضوابط الشرعية، والوقوف عند الحدود والآداب الشرعية، وهذا معنى قول النبي ﷺ في وصيته للرجل الذي طلب منه أن يوصيه ثلاث مرات، والرسول يقول له: لا تغضب، أي: اضبط غضبك وانفعالاتك بحيث تتأدب بالآداب الشرعية.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير.