السؤال
أتكلم عن صديقتي؛ فتاة تدرس في الجامعة، وراسلها شخص كان يدرسها، وقال إنه معجب بها ويريد خطبتها، أخبرته بأن يأتي من الباب، وليس بالتواصل، ولكنه لا يعرف أهلها، وكذلك أهلها لا يعرفونه، فهي في حيرة هل تدله على من يذهب إليه ليعرفه بأهلها؟
فماذا تنصحها أن تفعل؟ وهل عليها إثم، لأنها ترشده إلى من يذهب لأجل أن يتقدم لها؟ وماذا تفعل الآن، هل تحظره أم ماذا؟ لقد استشارتني وأنا لا أعرف بماذا أنصحها!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم رهف حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك إلى صالح القول والعمل.
بداية، فإن ما قامت به صديقتك من رد هذا الشخص، وإرشاده إلى أن يأتي البيوت من أبوابها يعد تصرفا حكيما، يدل على الحرص على العفة، وصيانة النفس، هو مقصد قرآني كريم، قال تعالى: (وأتوا البيوت من أبوابها).
أختي الفاضلة، إن إرشاد صديقتك لهذا الشخص إلى التقدم لأهلها ليس فيه إثم -إن شاء الله تعالى-، بل هو عين الصواب والحكمة، فالشرع الحكيم حرم الخضوع بالقول، والعلاقات العاطفية التي تسبق الخطبة الشرعية، لما قد يترتب عليها من مفاسد وفتن، وفي المقابل أباح الخطبة وشرعها لتكون الطريق الصحيح الذي يتيح التعارف بين الطرفين ضمن الضوابط الشرعية المعتبرة.
فمن خلال توجيهها له إلى التقدم الرسمي، فإنها تنقل العلاقة من دائرة المراسلات الخاصة التي قد تكون بابا للفتنة والانزلاق إلى ما لا يرضي الله تعالى، إلى دائرة رسمية مشروعة تحفظ كرامتها، وتصون حقوقها، وترضي ربها عز وجل.
أختي الفاضلة: شرع الإسلام الخطبة لتكون وعدا بالزواج، يتيح للطرفين فرصة التعارف والتفاهم، ودراسة مدى التوافق بينهما في إطار من الاحترام والأمان والوضوح، فإذا وجد التوافق وتم الاتفاق، أتم الزواج على بركة الله، وإن لم يتحقق التوافق، كان لكل طرف الحق في إنهاء الخطبة دون حرج أو لوم، وهذا هو الحفظ الحقيقي لكرامة المرأة ومكانتها، إذ تبقى العلاقة واضحة، ومشروعة، ومصونة من العبث، أو الاستغلال.
أختي الفاضلة: صديقتك ليست مكلفة بأن تعرف هذا الشخص بأهلها، أو أن تبحث له عن طريقة للوصول إليهم، فإذا كان صادقا في رغبته، وجادا في أمر الزواج، فسيجد الطريق المناسب لذلك، وهناك وسائل كثيرة يمكن من خلالها الوصول إلى أهل الفتاة بطريقة محترمة ومشروعة، ومن ذلك مثلا:
- أن تتواصل نساء من عائلته مع نساء من عائلتها، فتتم جلسات تعارف أولية بين الأسرتين، ثم يتفق بعد ذلك على موعد مناسب للخطبة.
- أن يستعين بشخصية معروفة وموثوقة في المنطقة التي تعيش فيها الفتاة، فتتواصل هذه الشخصية مع والدها أو أحد أوليائها، وتكون حلقة وصل بين الطرفين.
- وإذا دعت الحاجة، يمكن للفتاة أن تخبر إحدى أقاربها من النساء ممن تثق بحكمتها، ورجاحة عقلها، كأمها، أو خالتها، أو أختها الكبرى، ليتم التواصل مع هذه العائلة، والتعرف إليها إذا لم تثمر الوسائل السابقة.
والرجل الجاد لا يخشى مواجهة الأهل أو التواصل معهم، بل يسعى إلى ذلك ويحرص عليه؛ لأنه يعلم أن الزواج مسؤولية عظيمة، وأن الخطبة هي المقدمة الشرعية لهذا الميثاق الغليظ.
أما من يتهرب من التواصل مع الأهل، أو يصر على إبقاء العلاقة في إطار المحادثات السرية، بعيدا عن علم الأسرة، فهذه علامة تدعو إلى التوقف والحذر؛ لأنه في الغالب لا يبحث عن ارتباط رسمي ومستقر، وإنما يريد علاقة لا تقوم على أسس واضحة أو جادة.
أختي الفاضلة: الفتاة التي تضع لنفسها حدودا شرعية واضحة، وتحافظ على كرامتها وعفتها، تزداد مكانة واحتراما في أعين أصحاب الدين والمروءة، لذلك ينبغي لصديقتك ألا تشغل بالها بكيفية وصوله إلى أهلها، ولا تحمل نفسها مسؤولية ذلك؛ فالإنسان الجاد إذا أراد الوصول إلى هدف مشروع وجد إليه الطريق المناسب بأقصر السبل وأوضحها.
فإن انسحب هذا الشخص، أو تراجع بعد أن طلبت منه التقدم الرسمي، والتواصل مع الأهل، فلتعلم أن الله تعالى قد صرف عنها من لم يكن جادا، أو لم يكن يقدر قيمتها، ومكانتها حق التقدير، وفي ذلك خير لها بإذن الله تعالى، قال تعالى:(وعسىٰ أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ۖ وعسىٰ أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ۗ والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
وأخيرا: لتحرص صديقتك على صلاة الاستخارة، ولتسأل الله تعالى أن ييسر لها الخير حيث كان، وأن يصرف عنها الشر حيث كان، وأن يختار لها ما فيه صلاح دينها ودنياها.
كما نوصي بأن يكون المعيار الأول في قبول الخاطب هو الدين والخلق، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا جاءكم من ترضون دينه، وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد كبير)، فصاحب الدين يخاف الله في زوجته، ويؤدي حقوقها، ويحفظها في حضورها وغيابها، وصاحب الخلق الكريم يكرمها ويحسن عشرتها، ويعاملها بالمعروف والرحمة.
وفقك الله ويسر أمرك.