السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحبكم في الله عز وجل، وأسأل الله تعالى أن يجمعنا بهذا الحب في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
سأبدأ فتح قلبي لحضراتكم والفضفضة قليلا؛ فأنا أعاني من سوء الظن بالله عز وجل، وأخشى أن أكون من أهل النار بسبب كثرة معاصي الليل، كما أنني لا أستطيع قراءة القرآن بعد صلاة العشاء.
انصحوني، جزاكم الله خيرا، ونسأل الله أن ينفعنا بكم وبعلمكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، وبداية نقول: أحبك الله الذي أحببتنا فيه، ونسأل الله تعالى أن يجمعنا بك في مستقر رحمته، ودار كرامته.
وأما ما تسأل عنه -أيها الحبيب- وتعاني منه، مما سميته أنت سوء ظن بالله تعالى بسبب المعاصي، فالحقيقة -أيها الحبيب- أن هذا الذي سميته سوء ظن بالله، إنما هو وحشة بينك وبين الله تعالى، بسبب تلك الذنوب، واقتراف تلك المعاصي، وهذه ثمرة من ثمرات الذنوب كما نبه على ذلك العلماء.
فقد قال ابن القيم، رحمه الله تعالى، وهو يعدد آثار المعاصي والذنوب، قال: ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله، لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلا، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة، ثم قال: وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة، وما لجرح بميت إيلام.
ففهمنا من كلامه -أيها الحبيب- أن هذه الوحشة، وإن كانت أثرا من آثار الذنوب والمعاصي، إلا أنها في الوقت نفسه، علامة على وجود حياة في هذا القلب، وأنه لا يزال فيه من السلامة والصحة، ما يدعو إلى الاستيقاظ والانتباه، فاحمد الله تعالى أولا، أن أيقظ فيك هذا الشعور، وجعلك تحس بهذا الأثر، فإن القلب إذا مات لا يحس ولا يعاني، واجعل من هذه الوحشة التي تجدها في قلبك، اجعلها باعثا على التوبة، وتصحيح المسار، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.
وبداية ينبغي أن توقن يقينا جازما، أن الله -سبحانه وتعالى- يقبل التوبة ممن تاب، مهما كانت ذنوبه، ومهما عظمت آثامه، فإن الله تعالى قبل توبة الكافرين الذين حاربوه، وسبوه، وقتلوا أنبياءه، وصدوا عن سبيله، وحاربوا دينه، ومع ذلك، تاب عليهم سبحانه حين تابوا، ورفع درجاتهم، وأعلى منازلهم، وأصبحوا أولياء له وأحبابا.
فالله سبحانه وتعالى كريم، رحيم، وقد وعد التائب بأن يحول ذنوبه ومعاصيه إلى حسنات، فقد قال سبحانه وتعالى: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}، وهو يقبل التوبة عن عباده، وبهذا أخبر في كتابه خبرا جازما، فقال: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون}، والرسول ﷺ أخبر بهذه الحقيقة في أحاديث كثيرة جدا.
فاحمد الله تعالى -أيها الحبيب- على يقظة قلبك، وشعورك بهذه الوحشة، واحمد الله ثانيا، أن هذا الشعور حصل لك في زمن لا تزال فيه التوبة ممكنة، والتدارك ممكن، فتدارك، واستعن بالله ولا تعجز، قد تكون الأمور بالنسبة لك في أولها تبدو ثقيلة، وعصيبة، وصعبة، ولكن الحقيقة أن الله تعالى سيسهلها لك، وييسرها عليك، ومن استعان بالله أعانه، ومن لجأ إليه آواه، فأظهر لله تعالى مسكنتك، وذلك، وحاجتك، وفقرك، وتوجه إليه أن يهدي قلبك، وستجد من الله سبحانه وتعالى، البر واللطف والرحمة.
ابدأ الخطوة الأولى أيها الحبيب، فإن الله تعالى وعد من خطى في الطريق إليه، أن يكمل له، ويوصله إلى المقصود، فقال سبحانه: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم}، وقال سبحانه: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ۚوإن الله لمع المحسنين}.
هذا الرب الذي نتكلم عنه -أيها الحبيب- رب رحيم، كريم، يمهل العاصي، ويعافيه، ويرزقه، ويعطيه، ويدعوه إلى التوبة، ويدعوه إلى الإحسان، ويعده، أنه إذا فعل ذلك غفر له، وبدل ذنبه، وأدخله جنته، وستر عليه، فكيف يليق بعد ذلك بهذا العبد أن يسيء ظنه بهذا الرب الكريم -سبحانه وتعالى-؟
بادر -أيها الحبيب- واغتنم الأوقات قبل فواتها، واستعن بالأسباب التي تثبتك على ذلك، ومن أهم ذلك الرفقة الصالحة، ابحث عن الأصحاب الصالحين، والرفقاء الطيبين، ابحث عن أهل الطاعات في بيوت الله تعالى، وفي مجالس الذكر، وابذل وسعك في التواصل معهم، وقضاء أوقاتك معهم، وستجد من ربك الإعانة والتيسير.
نسأل الله تعالى أن ييسر لك كل عسير.