الخوف من المرض النفسي يعطل مستقبلي وزواجي، فما العلاج؟

0 1

السؤال

السلام عليكم دكتورنا الفاضل، حفظك الله.

لقد كانت لي استشارة هنا في هذا الصرح سنة 2022 برقم: (2489168)، وأشكركم عليها.

اليوم، وبعد مرور هذه السنوات، وأنا في عمر 34 سنة، ما زلت في حالتي: غير متزوج، وخائف من عدم القدرة على الحفاظ على زواجي مستقبلا؛ بسبب مرضي النفسي! علما أنني إلى الآن لم أزر طبيبا نفسيا منذ عام 2017، حيث كانت لي تجربة سيئة مع الأدوية لكثرتها.

وللعلم، فقد زرت طبيب مسالك بولية، وأجريت التحاليل اللازمة، وقال إن لدي قدرة على الإنجاب -بإذن الله- من خلال تحليل السائل، رغم بقاء بعض الآلام، وذكر أنه لا يوجد مشكل عضوي، وقد شعرت حينها بفرح وارتياح، لأنني كنت منذ سنوات أعتقد بشكل قاطع أنني لن أنجب أبدا بسبب هذا الأمر، لكن سرعان ما عادت إلي أفكار سلبية جديدة، تحاول طمس أي جانب إيجابي في حياتي، مثل أنني قد أنقل لأبنائي -إن تزوجت- أمراضا نفسية معقدة وأتسبب في معاناتهم!

حتى إنني أصبحت شديد الحساسية تجاه أي مرض أقرأ عنه أو أسمع به، أو أرى مصابين به، وتأتيني مشاعر وأحاسيس جسدية -كما حدث معي في استشارة سابقة-؛ فقد بدأت الأعراض في اليد آنذاك، ثم خفت فترة، ثم عادت لتنتقل إلى الرجل، وأصبحت كلما شعرت بمشاعر سلبية كالغضب أو الحزن أو التوتر، أشعر بثقل وبرودة في القدمين وأحاسيس مزعجة، فأبدأ بمراقبتها، فتزداد، ويضيق يومي، وأقول لنفسي: لا بد أنني سأصاب بالشلل يوما ما، وهكذا، حتى أصبح كل إحساس عندي مرتبطا بمرض خطير أتوقع الإصابة به.

كما أنني بدأت أتعلم مهارة عبر الإنترنت لبناء مستقبلي وتكوين أسرة، لكن لدي تشتت شديد وضعف في التركيز، وأرغب في القيام بكل شيء في وقت واحد، والوصول بسرعة إلى أهدافي، لأن العمر يزداد والوقت يطاردني.

أتنقل بين مهارة وأخرى دون أن أستمر في أي منها، وذلك منذ نحو خمس سنوات، أريد أن أصل، لكنني لا ألتزم بأي شيء، لأن ذهني يعمل بأقصى سرعة، يحلل كل شيء ولا يهدأ، فأفكر في كل شيء وأريد فعل كل شيء دفعة واحدة، حتى أصل إلى حالة من الاحتراق النفسي دون نتائج، ثم أعود إلى نقطة الصفر من جديد.

حتى إنني أصبحت كثير النسيان، وربما بسبب هذا الضغط الذهني المستمر، وتأتيني أفكار مثل: ربما هذا زهايمر أو فصام أو ذهان، فعندما يقول أحد في البيت: من ترك هذا الشيء مفتوحا؟ أستبعد الجميع وأقول لنفسي: ربما أنا نسيت، ثم أعود لأفكار الخوف: لا بد أنه ذهان أو فصام، فأدخل في حالة رعب شديد وخوف، مع أعراض جسدية مثل الوخز والثقل في الرجلين واليدين، وهكذا!

لقد ضغطت على نفسي كثيرا، وأعتقد أن هذه هي النتيجة، فهل يمكن أن أتعافى وأعود لطبيعتي، وأستعيد تركيزي وقوتي، لأعمل على مستقبلي وأبني أسرة؟

وشكرا لك دكتورنا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مصطفى .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أرحب بك في موقعك استشارات إسلام ويب، وأسأل الله لك العافية.

أخي، استشارتك واضحة جدا، وطبعا مشكلتك الأساسية هي القلق التوقعي، والمخاوف ذات السمات الوسواسية، وهذا لا نعتبره مرضا نفسيا، لكن قطعا هو ظاهرة مزعجة، والقلق كطاقة نفسية مطلوب في حياة الناس؛ لأنه أحد محركات النجاح، وكذلك الخوف إذا كان خوفا صحيا، يعلم الإنسان كيف يحمي نفسه، والوسوسة الصحية البسيطة أيضا هي وسيلة لأن يكون الإنسان منضبطا في حياته.

فـيا أخي الكريم، فكر في هذه الطاقات النفسية على هذه الشاكلة، ولا بد أن تجعل لحياتك معنى من خلال: أن تجتهد في عملك وتطور نفسك في عملك، وأن تحسن إدارة وقتك، وأن تمارس الرياضة.

ذكرت أن الأفكار تتداخل لديك، ولا تنجز أي شيء، اجعل لنفسك أهدافا، حتى وإن كانت هذه الأهداف بسيطة، مثلا: اجعل هدفا لتحققه خلال الستة أشهر القادمة، هدف بسيط وليس صعب، ولكنه في غاية الأهمية، وهذا الهدف هو: أن تحفظ ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم في فترة الستة أشهر القادمة.

ويا أخي الكريم، يعرف أن الإنسان إذا حقق هدفا ما، والتزم بالآليات التي توصله إلى تحقيق الهدف، سوف يحقق أهدافا أخرى دون أن يخطط لها؛ لأن الإنسان بتحديده لهدفه، ووضع الآليات التي توصله إليه، سوف يضع نفسه في المجال الصحيح من حيث التفكير، ومن حيث إدارة الوقت، ومن حيث الالتزام بالجدية.

فيا أخي، هذه وسائل معروفة جدا.

الأمر الثاني: هذه التفسيرات المقلقة بأنك مصاب بكذا وكذا وكذا، هذه يجب أن تحقرها، ويجب أن تكون قنوعا، ومتيقنا أنك بحمد لله في صحة تامة، وأن الله تعالى قد حباك بالقدرة الجسدية والفكرية وأعطاك المهارات، فحرر نفسك من كل هذا الذي أنت فيه.

وطبعا من الأمور المهمة:
• أن تداوم على الرياضة المنتظمة؛ فهي تساعد على تفريغ الطاقات السلبية وتحسين الحالة النفسية.
• أن تحرص على التواصل الاجتماعي الإيجابي، والقيام بالواجبات الاجتماعية وعدم الانعزال.
• أن تكون شخصا فاعلا داخل أسرتك، حاضرا في مسؤولياتك اليومية ومهامك الأسرية.
• أن تلتزم بالواجبات الدينية، وخاصة الصلاة في وقتها، والأذكار، والورد القرآني اليومي.
• أن تجعل لحياتك معنى وأهدافا واضحة، فكلما امتلأ يومك بالنفع قل الفراغ النفسي.

أخي الكريم، كل القلق السلبي والتوقعي، والخوف والوساوس، يمكن -بإذن الله- أن تتحول مع الوقت إلى طاقات نفسية إيجابية إذا تم توجيهها بشكل صحيح.

أخي الكريم، طبعا سيكون أيضا من المفيد لك أن تتناول أحد الأدوية البسيطة المفيدة؛ لأن القلق على هذه الشاكلة والوسوسة، لا بد أن يكون هنالك عامل كيميائي في الدماغ يساهم في زيادة هذا القلق واستمراريته، هنالك كلام كثير عن الموصلات العصبية في الدماغ، وأن اضطرابها هو الذي يؤدي إلى هذا النوع من الأعراض.

فإن أردت أن تذهب إلى طبيب نفسي ليكتب لك أحد هذه الأدوية، مثل عقار الـ "سيرترالين -Sertraline"، دواء رائع جدا وممتاز جدا، وأنت تحتاج له بجرعة صغيرة جدا، أو يمكنك أن تذهب إلى الطبيب العام ليكتبه لك، أو قد يعطيك له صاحب الصيدلية.

والجرعة المطلوبة في حالتك هي: نصف حبة، أي (25 ملغ) يوميا لمدة عشرة أيام، ثم حبة واحدة (50 ملغ) يوميا لمدة ستة أشهر، ثم بعد ذلك تجعل الجرعة نصف حبة يوميا لمدة شهر، ثم نصف حبة يوما بعد يوم لمدة أسبوعين، ثم تتوقف عن تناوله، دواء رائع وغير إدماني وفاعل جدا إن شاء الله تعالى.

الحمد لله أتتك البشريات في موضوع الإنجاب من الطبيب، والحمد لله على ذلك، وليس هنالك ما يجعلك الآن خائفا أو موسوسا حول هذا الموضوع، توكل على الله، وعش قوة الحاضر، واجعل لحياتك أهدافا واضحة حتى وإن كانت بسيطة، وضع الآليات التي سوف توصلك إلى أهدافك، وكما ذكرت لك: مارس الرياضة، ولا بد أن تلتزم بالواجبات الاجتماعية والدينية، وهذا -إن شاء الله- فيه خير كثير لك، على الأقل من خلاله سوف يوظف هذا القلق المرضي ليصبح قلقا صحيا ومفيدا.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات