جيراني يؤذونني لأنهم أصحاب المنزل الذي أسكنه، فما الحل معهم؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جيراني، وهم أصحاب المنزل الذي أسكن فيه، يضعون أشياء على السلم الذي أمر منه أنا وأطفالي فقط، حيث أسكن في الطابق الأخير، وفي مرة من المرات وضعوا شيئا حادا تسبب بإصابة في أصابع ابني، ما استدعى إجراء عمليتين جراحيتين، وما زلت منذ شهرين في معاناة مع المستشفيات والمتابعة العلاجية له.

ومؤخرا وضعوا أشياء أخرى في طريقي، فطلبت إزالتها بأسلوب حاد، لأنني ما زلت متأثرة بما حدث لابني في المستشفيات، إلا أنهم تكبروا ورفضوا الاعتذار أو الاعتراف بالخطأ، وهذا الأمر يؤلمني بشدة، خاصة أنهم لم يعتذروا، بل قالوا إنهم أصحاب البيت، وليس من حقي أن أتحدث معهم بهذا الأسلوب.

وكل ما قلته لهم: لو سمحتم أزيلوا الأشياء من طريقنا، لأننا تضررنا بسبب ما تضعونه في الممر، كما وضعوا جزامة في طريقي بحيث لا أستطيع المرور إلا بمسافة ضيقة جدا لا تتجاوز نحو 30 سم، وبصعوبة شديدة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هند حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

لا شك أن الإسلام قد أوصى بحق الجار أعظم الوصايا، وقد كثرت النصوص الشرعية التي تؤكد حرمة إيذاء الجار، وتبين عظيم حقه، ووجوب الإحسان إليه، ومن ذلك قول الله تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربىٰ واليتامىٰ والمساكين والجار ذي القربىٰ والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا}.

كما النبي ﷺ قال: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه، والبوائق جمع بائقة، وهي الظلم، والشر، والأذى، والهلاك، وقال ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، والنصوص في بيان حق الجار، ووجوب حسن معاملته، وآداب الجوار، كثيرة ومتضافرة.

أختي الفاضلة، إذا كان الواقع بينك وبين جيرانك كما ذكرت، فلا شك أن تعمد إيذاء الجار من المحرمات العظيمة التي توعد الله تعالى أصحابها، وجعلها منافية لكمال الإيمان الواجب، وما دمت قد استأجرت هذا المسكن بعقد صحيح نافذ، وتؤدين ما عليك من التزامات وحقوق مترتبة على عقد الإيجار، فلا يجوز لأحد أن يتعمد الإضرار بك، أو التضييق عليك، أو على أسرتك.

ومع ذلك، فقد يصدر من بعض الجيران سوء معاملة، أو سوء جوار لأسباب متعددة، من أبرزها:
• ضعف الخوف من الله تعالى، وقلة تعظيم حق الجار.
• الرغبة في إزعاج الجار أو التضييق عليه حتى يترك المسكن.
• ضعف الشعور بالمسؤولية، خاصة إذا كان في المنزل أطفال أو شباب لا يدركون حرمة أذية الجيران وخطورة التعدي على حقوقهم.
• وجود سوء ظن بالجار، أو سماع أخبار أو تصورات خاطئة تدفع بعض الناس إلى الإساءة إليه، أو تعمد إزعاجه.

ولذلك فإننا ننصحك أمام هذه المشكلة بجملة من التوجيهات:

أولا: عندما تهدأ حدة الخلاف، وتخف حدة التوتر، فبادري إلى الجلوس مع نساء أصحاب العقار، أو من لهن تأثير في الأسرة في جلسة هادئة يسودها الاحترام والهدوء، وحاولي التعرف على الأسباب الحقيقية لهذا التعامل السيئ معك، فقد يكون هناك دافع، أو تصور لا تعلمينه، أو رغبة في إخراجك من العقار من خلال هذا النوع من الإيذاء، ومعرفة السبب تساعدك على فهم المشكلة، وتحديد الوسيلة المناسبة لمعالجتها، سواء بالطريق القانوني، أو من خلال الإصلاح والتراضي.

ثانيا: يمكنك الاستعانة بشخص له مكانة، أو احترام عند هؤلاء الجيران، سواء كان قريبا لهم، أو صاحب فضل عليهم، ليتواصل معهم ويستوضح أسباب هذا التصرف، ويسعى في الإصلاح بينكم، ويذكرهم بالله تعالى، ويبين لهم خطورة أذية الجار، وما يترتب عليها من إثم وعقوبة.

ثالثا: حاولي إصلاح ما بينك وبينهم قدر المستطاع، من خلال مقابلة الإساءة بالإحسان، وعدم الاعتماد على ردود الأفعال التي تصدر في لحظات الغضب والانفعال؛ لأن هذه اللحظات غالبا ما تزيد الخلاف، وتعمق التوتر بين الأطراف.

ويمكنك مثلا إرسال هدية مناسبة، أو طعام، أو أي صورة من صور الإحسان التي تساهم في تليين القلوب، وتخفيف حدة النفور، فالرفق والإحسان من أعظم أسباب إصلاح العلاقات، وقد قال النبي ﷺ: ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.

رابعا: إذا لم تنجح جميع الوسائل السابقة، ولم يتحقق الإصلاح، فقد يكون الانتقال إلى مسكن آخر أحد الخيارات الممكنة، إذا كان ذلك لا يترتب عليه ضرر عليك، أو على أسرتك، وذلك حفاظا على راحتكم النفسية وسلامتكم، وابتعادا عن مصدر المشكلات المستمرة، مع تفويض أمر هؤلاء الجيران إلى الله تعالى.

خامسا: من حقك إثبات حقوقك القانونية، والمطالبة بها، ولكن ينبغي أن يكون ذلك بعد استنفاد وسائل الصلح والإصلاح كافة، فإذا استمر الإيذاء والتعدي، فيمكنك توثيق الوقائع والأضرار بالأدلة والشواهد، ثم رفع الأمر إلى الجهات المختصة، أو القضاء، أو النيابة، مع بيان ما ترتب على هذا الإيذاء من أضرار عليك وعلى أسرتك، ومع ذلك فإننا لا ننصح باللجوء إلى هذه المرحلة، إلا بعد بذل الجهد الكامل في وسائل الإصلاح، والصبر، والسعي إلى الوفاق.

وأخيرا أختي الكريمة، أكثري من الدعاء، وخاصة دعاء النبي ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة.

ولا شك أن صبرك واحتسابك الأجر عند الله تعالى، فيه ثواب عظيم، فقد صبر النبي ﷺ على أذى الجار، ولم يمنعه ذلك من الإحسان، ومع ذلك، فإن الصبر لا يعني السكوت عن الظلم، أو التنازل عن الحقوق، وإنما يعني التعامل مع الأذى بحكمة واتزان، مع الاستمرار في النصح والتذكير والإصلاح قدر المستطاع.

واعلمي أن كل ما تلقينه من مشقة وأذى إذا احتسبته عند الله، فهو في ميزان حسناتك، وأن الله سبحانه مطلع على ما تجدينه من ألم وحزن، وعالم بما تحملته من معاناة، ومثيب لك على صبرك واحتسابك.

لذلك احرصي على الإحسان وحسن الجوار من جهتك، وتحري أسباب هذه الأذية، ومحاولة معالجتها إن كان ذلك ممكنا، فإن تعذر الإصلاح واستمر الأذى، فلا تبادري إلى الإساءة، أو الشتم، أو الغلظة؛ حتى لا يترتب على ذلك ضرر أكبر، أو نزاع أشد، لا قدر الله، فكم من كلمة قيلت في لحظة غضب، كانت سببا في تفاقم المشكلات وتعقيدها، ولحظات الغضب كثيرا ما تعمي البصائر، وتحجب الحكمة.

نسأل الله أن ييسر أمرك، ويفرج همك.

مواد ذات صلة

الاستشارات