السؤال
تزوجت منذ 10 سنوات، وأعمل بعيدا عن العائلة لمدة شهر، ثم أقضي شهرا مع العائلة، ولدي أربعة أبناء، المشكلة أنني عندما كنت أذهب إلى العمل، كنت أترك زوجتي وأولادي عند أمها، وهنا تثور ثائرة الزوجة، وتبدأ في تذكيري بقصص الماضي، كان هذا قبل أكثر من عام، أما الآن فهي تقضي معظم الوقت في البيت عندما أذهب إلى العمل.
في السنة الأولى من الزواج كنت ألاحظ أنها غير مرتاحة نوعا ما، لكنني كنت أظن أنها منسجمة مع والدتي، لكن منذ ولادة ابنتي الكبرى بدأت تتغير وتنفعل ضدي، لأسباب أحيانا تكون تافهة، ثم تكرر الأمر نفسه عند ولادة الطفل الثاني، أما منذ ولادة التوأم فقد انفجرت انفجارا كبيرا.
لا أنكر أنها كانت تعاني، خاصة في غيابي، أثناء إقامتها في دار والديها، وأنني في الماضي فعلت أشياء أسأت فيها التقدير، فمثلا، عندما كنت أذهب للعمل وتذهب هي إلى دار والديها، كنا نترك مفتاح البيت، الذي يقع في الطابق السفلي، عند والدي.
لا أنكر أيضا أننا كنا نعيش في بيت ضيق مع أربعة أولاد، مع أنني وسعته قبل نحو عامين، وأصبح مقبولا وله باب مستقل، حدثت أمور في بداية زواجنا مع أهلي لم أعرها اهتماما، لكن من الواضح أنها أثرت فيها.
المهم أنها في كل مرة تذكرني بهذه الأمور، حتى أصبحت تهينني وتنعتني بأنني لست رجلا، وأنني لم أضحكها يوما، وتقول: يا ليتني هاجرت إلى فرنسا عندما سنحت لي الفرصة، ندمت عليك، وأنت سبب تعاستي، ويا ليتني لم أترك الوظيفة، ولن أسامحك أبدا.
لست أدري: هل أستحق كل هذا منها؟ علما أنني عرضت عليها في تلك الفترة، أي بعد ولادة التوأم، أن نستأجر بيتا لائقا قرب بيت والديها، لكنها رفضت، وأيضا اشتريت شقة في عاصمة الولاية، لكن المنطقة السكنية ما زالت فارغة نوعا ما.
أنا أعذرها من جهة، لكن بعض كلامها يبقى محفورا في ذاكرتي، وأصاب بالكآبة عندما أتذكره، وهي أيضا عندما تتذكر الماضي معي تصبح كئيبة جدا، والجماع لا يكون إلا نادرا.
منذ ستة أشهر، ذهبنا إلى العمرة، فتغيرت كثيرا في تلك الفترة، وأصبحت تتودد إلي كما لم أعهدها من قبل، لكن في الآونة الأخيرة بدأت تعود إلى ما كانت عليه سابقا؛ فتقول لي: إنني سبب تعاستها، وتستحضر كل صغيرة وكبيرة حدثت لها مع أمي وأخواتي، فمثلا، إذا كانوا يتحدثون عن شيء ما، تحسب أنهم يقصدونها، كما تقول إن أمي وأبي يتضايقان من أولادي؛ لأنهم يشاغبون ويوسخون الفناء، إلى غير ذلك من الأمور.
مؤخرا أصرت على الالتحاق بدورة تكوينية في صناعة الأجبان، مع أنني في قرارة نفسي لست راضيا عن ذلك؛ لأنها مختلطة، ولأن مكان الدورة بعيد.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يؤلف بين قلبك وقلب زوجتك، وأن يصلح ما بينكما، وأن يبارك في أولادكما، وأن يجعل بيتكما قائما على المودة والرحمة والسكينة.
وقبل الحديث عن تفاصيل المشكلة، يحسن أن نتوقف عند حقيقة مهمة؛ وهي أن كثيرا من الأزمات الزوجية لا تنشأ من خطأ واحد كبير، وإنما من جروح صغيرة تتراكم سنوات طويلة، حتى يأتي يوم تنفجر فيه دفعة واحدة، وعند قراءة رسالتك يبدو أن زوجتك لا تتحدث اليوم عن موقف وقع بالأمس، بل عن مشاعر وأوجاع تراكمت في نفسها منذ سنوات، ولم تجد طريقا صحيحا للتعبير عنها.
ولعل الجواب يتضح من خلال الأمور الآتية:
1- أول ما يلفت النظر في رسالتك أنك تعترف بأن بعض ما تشتكي منه زوجتك له أصل في الواقع، فأنت لا تنكر أنها عاشت سنوات من الغياب المتكرر، ولا تنكر أنها كانت تقيم عند أهلها فترات طويلة، ولا تنكر أن البيت كان ضيقا، ولا تنكر أن بعض المواقف مع أهلك لم تتعامل معها بالقدر الكافي من الحزم، أو الاحتواء، وهذا الاعتراف مهم، لأنه يظهر جانبا من إنصافك؛ ولأن كثيرا من الأزواج يبدؤون من إنكار المشكلة كلها.
2- لكن في المقابل ينبغي أن يقال بوضوح: وجود أخطاء في الماضي لا يبرر الإهانة المستمرة في الحاضر، فليس من حق الزوجة أن تجعل كل خلاف جديد مناسبة لإعادة محاكمة عشر سنوات من الحياة، ولا أن تنعت زوجها بأنه ليس رجلا، أو أنه سبب تعاستها كلها، أو أنها ندمت على الزواج منه، فهذه الكلمات قد تخرج وقت الغضب، لكنها تترك في النفس جروحا عميقة لا تقل عن الجروح التي تتحدث هي عنها.
والذي أراه أن زوجتك لم تتجاوز الماضي بعد، فالقضية ليست قضية مفتاح بيت، ولا ضيق مسكن، ولا إقامة عند أهلها، وإنما يبدو أنها كونت في داخلها شعورا بأنها لم تكن أولوية في حياتك في تلك المرحلة، وأنك لم تدافع عنها، أو تشعر بمعاناتها كما كانت تنتظر، ولذلك فإنها كلما تذكرت تلك السنوات عادت إليها مشاعر الظلم والألم نفسها، وكأنها وقعت أمس؛ ومن علامات ذلك أنك ذكرت أن العمرة أحدثت تغيرا كبيرا في العلاقة بينكما، وأنها أصبحت أكثر قربا ومودة، وهذا يدل على أن أصل المودة لم يمت، وأن المشكلة ليست كراهية كاملة، وإنما جروح نفسية تهدأ أحيانا، ثم تعود عند استدعاء الماضي، أو وقوع أحداث تذكرها به.
3- من المهم كذلك أن تدرك أن المرأة قد تغفر الخطأ، لكنها لا تنسى الشعور الذي تركه الخطأ في نفسها، فقد تنسى تفاصيل الموقف، لكنها تتذكر الإحساس الذي صاحب ذلك الموقف، ولهذا فإن محاولتك إثبات أنك لم تكن مخطئا تماما لن تحل المشكلة غالبا؛ لأنها لا تناقش الوقائع بقدر ما تعبر عن مشاعر قديمة ما زالت تسكنها.
4- أنصحك أن يكون بينكما حوار هادئ، لا يكون هدفه الدفاع عن النفس أو تعداد الأخطاء، بل الفهم: فبدل أن تقول لها: "لكنني فعلت كذا وكذا"، حاول أن تسمع منها ما الذي آلمها تحديدا، وما الذي كانت تتمنى أن تراه منك في تلك الفترة، فكثير من الجروح تخف حين يشعر صاحبها أن الطرف الآخر فهمها أخيرا.
5- في الوقت نفسه ينبغي أن يكون واضحا أن الحياة لا يمكن أن تستمر رهينة للماضي إلى الأبد، فبعد الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه -إن وجد-، لا بد من الانتقال إلى بناء الحاضر، وإلا تحولت الحياة الزوجية إلى محكمة دائمة، يعاد فيها فتح الملفات نفسها كل شهر وكل سنة.
5- مسألة الجماع النادر ليست مشكلة مستقلة، بل هي غالبا عرض من أعراض ما بينكما من احتقان عاطفي ونفسي، فكلما تراكمت المرارات ضعفت المودة، وكلما ضعفت المودة تأثرت بقية جوانب العلاقة.
6- أما فيما يتعلق بأهلك، فأرى أن جزءا من المشكلة هو أن زوجتك أصبحت تفسر كثيرا من التصرفات على أنها موجهة ضدها، وهذه الحالة تقع أحيانا عندما تتراكم الحساسية النفسية سنوات طويلة، فقد يصبح الإنسان يقرأ الرسائل السلبية في أمور لا يقصد بها شيئا أصلا، ولا يعني هذا أن شعورها كله خطأ، لكنه يعني أن بعض التفسيرات قد تكون متأثرة بما في داخلها أكثر مما هي متأثرة بالواقع نفسه.
7- موضوع الدورة التكوينية، فأنصحك ألا تجعلها معركة جديدة تضاف إلى المعارك القديمة، فإن كان المكان آمنا، والدورة نافعة، ويمكن ضبطها بالضوابط الشرعية، فحاول أن تنظر إليها من زاوية حاجتها النفسية أيضا، فبعد سنوات من الانشغال بالأولاد والبيت، قد تشعر المرأة بالحاجة إلى إنجاز، أو تعلم، أو نجاح شخصي، يعيد إليها شيئا من الثقة والرضا عن النفس، لكن تناقش معها في كيفية جعلها منضبطة شرعا، لا في المنع من أساسه، إلا إذا كانت هناك محاذير شرعية حقيقية، أو اختلاط منكر، أو مفاسد ظاهرة، فناقش معها بهدوء، من منطلق الحل والحرمة والحرص عليها؛ لأن الفرق كبير بين زوج يقول: "أنا أرفض"، وزوج يقول: "دعينا نبحث عن بديل أنفع وأمن".
8- في تقديري أن المشكلة بينكما اليوم ليست مشكلة سكن، ولا أهل، ولا دورة تكوينية، وإنما مشكلة مشاعر قديمة، لم تلتئم تماما، فإذا عولج أصل الجرح خفت الكثير من الفروع المرتبطة به، أما إذا بقي الجرح مفتوحا فستظل القضايا تتغير، بينما يبقى الخلاف نفسه.
9- أنصحك إن أمكن أن يكون بينكما جلسات حوار منتظمة بعيدا عن وقت الغضب، أو الاستعانة بمستشار أسري حكيم إذا تعذر ذلك؛ لأن عشر سنوات من التراكمات يصعب أحيانا أن تعالج برسالة أو جلسة واحدة، كما أنصحك بالمحافظة على الأذكار، وقراءة سورة البقرة كل ليلة، إن أمكن أو الاستماع إليها.
وأخيرا، لا تنظر إلى نفسك على أنك الزوج الظالم وحدك، ولا تنظر إليها على أنها الزوجة الجاحدة وحدها، فالذي يظهر أنكما تحملان قدرا من الألم، وكل منكما يرى القصة من زاويته الخاصة، وما تحتاجانه اليوم ليس البحث عن المذنب، بقدر ما تحتاجان إلى البحث عن الطريق الذي يعيد المودة والرحمة إلى بيتكما.
نسأل الله أن يصلح ما بينكما، وأن يذهب عنكما آثار الماضي، وأن يبارك في أولادكما، وأن يجعل ما بقي من حياتكما خيرا مما مضى، والله الموفق.