متردد في قبول فرصة عمل في الخارج لأنني لا أحب الغربة، فما توجيهكم لي؟

0 2

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

لو سمحتم أرجو الدعاء لي بالهداية والتوفيق والسداد.

جاءتني فرصة عمل في بلد خليجي، وهي فرصة جيدة جدا، ويمكنني من خلالها عمل استقدام للعائلة، لكن بعد ستة أشهر، أو زيارة لعائلتي بعد ثلاثة أشهر.

وقد صليت صلاة الاستخارة أكثر من مرة، وما زلت مترددا، ولا أعرف أي قرار أتخذ، فأنا لا أحب الغربة، ولا أطيق الابتعاد عن أولادي، وأخشى من عدم التوفيق، كما لا أعلم هل سيتمكن أولادي من تحمل الغربة أم لا؟!

وقد أخذت رأي زوجتي ولا مانع لديها، واستشرت بعض أصدقائي ممن سبق لهم السفر، وبدأت في الإجراءات، ولكن أشعر بثقل هذه الخطوات على قلبي.

أفيدوني جزاكم الله خيرا، وأسألكم الدعاء.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علاء .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل، وأسأل الله أن يختار لك الخير حيث كان، وأن يوفقك لما فيه أحسن العواقب، وأن يرزقك من فضله حتى يرضيك.

أخي الكريم: لقد أحسنت في القيام بأهم الأسباب التي تعين على اتخاذ القرار الصائب؛ فقد لجأت إلى الاستخارة، واستشرت أهلك، واستأنست بآراء أصدقائك من أصحاب الخبرة والتجربة، وبذلك أصبح لديك تصور واضح، أو شبه كامل، عن طبيعة الخطوة التي أنت مقبل عليها وما قد يترتب عليها من نتائج.

وتبقى المسألة الأساسية التي تجعلك مترددا وهي مشاعر الفراق لأهلك وأولادك، إضافة إلى خشيتك من عدم التوفيق في عملك الجديد، وهذا أمر مفهوم وطبيعي، لكنه يحتاج منك إلى قدر من الحكمة والتوازن عند اتخاذ القرار، بحيث لا يكون مبنيا على الدافع العاطفي وحده بعيدا عن دراسة الواقع والمستقبل والفرص المتاحة، فربما يؤدي تغليب المشاعر وحدها إلى الندم لاحقا على تفويت فرصة مميزة يتمناها كثير من الناس.

ولمساعدتك على الوصول إلى قرار أكثر وضوحا، حاول أن تطرح على نفسك الأسئلة التالية، وتجيب عليها بكل صدق ووضوح:

• إذا بقيت في مكانك الحالي، فهل تشعر بالرضا المهني والمالي؟ أم أنك قد تنظر بعد خمس سنوات إلى هذه الفرصة وتشعر بالندم على ضياعها؟

• هل تستطيع وضع خطة بديلة أو ما يسمى بخطة التراجع؟ مثلا: إذا سافرت ثم تبين أن الغربة لم تكن مناسبة لك أو لأولادك، فهل لديك إمكانية العودة دون خسائر كبيرة؟

• هل مشاعر القلق والخوف من عدم التوفيق مبنية على مؤشرات واقعية وحقيقية، أم أنها مجرد رهبة التجربة الأولى، والخوف الطبيعي من التغيير والانتقال والابتعاد عن البيئة المألوفة؟ وهي مشاعر غالبا ما تخف أو تزول بعد الإقدام على الخطوة.

إن الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة ستساعدك على الخروج من دائرة القلق العاطفي إلى مساحة أوسع من الواقعية، وتمكنك من دراسة الموقف بحكمة وروية، بعيدا عن المبالغة في تأثير المشاعر، أو إهمال معطيات الواقع والمستقبل.

أخي العزيز، إذا كانت الفرصة بالفعل مميزة، وكان استقدام الأسرة ممكنا بعد مدة معقولة، وكانت زوجتك موافقة ومتفهمة، فقد يكون ما تشعر به هو رهبة الانتقال أكثر من كونه إشارة إلى أن القرار غير مناسب، لذلك حاول أن تنظر إلى الصورة كاملة، وألا تقتصر في تفكيرك على الجوانب السلبية فقط، فالإيجابيات قد تكون أكبر بكثير مما تتوقعه الآن.

ومن المهم أيضا أن تتذكر أن مشاعر القلق والخوف من عدم التوفيق قد تكون ناتجة عن الانتقال إلى بيئة جديدة ومجتمع جديد، لا عن وجود مشكلة حقيقية في الفرصة نفسها، كما أنك ستنتقل -بإذن الله- إلى مجتمع عربي مسلم، قريب من بلدك من حيث اللغة والعادات والثقافة، مع وجود إمكانية لاستقدام أهلك وأولادك لاحقا، وهي جوانب إيجابية مهمة لا ينبغي إغفالها، ووجود أناس كثر من بلدك في البلد الذي ستسافر إليه.

أخي الكريم: أود أن أنبهك إلى أن الاستخارة ليست بالضرورة أن يعقبها انشراح كامل في الصدر، أو شعور فوري بالراحة النفسية، فكثير من الناس يظنون أن نتيجة الاستخارة لا تكون إلا بانشراح تام، بينما قد يكون الإنسان بطبعه شديد التعلق بأهله وأولاده، فيشعر بثقل أي خطوة تتضمن فراقا أو تغييرا كبيرا، حتى وإن كان الخير فيها.

كما أن تجارب الآخرين ليست بالضرورة نسخة من تجاربنا الشخصية؛ فهي تمنحنا تصورا عاما عن بعض الجوانب المشتركة، لكنها لا تتطابق تماما مع واقعنا، فقد يرى شخص ما جانبا معينا سلبيا بناء على ظروفه الخاصة، بينما قد يكون هذا الجانب نفسه إيجابيا بالنسبة لشخص آخر، تختلف ظروفه وأهدافه وطريقة نظرته للأمور.

أخي الفاضل: مثل هذه القرارات المصيرية تحتاج إلى دراسة متأنية، واستخارة صادقة، ومشاورة لأهل الرأي والخبرة، مع الإكثار من الدعاء وسؤال الله التوفيق والسداد، كما أنصحك -إن أمكن- بأن تجعل لنفسك خطة احتياطية أو ما يشبه "خط الرجعة"، كأن تحصل على إجازة طويلة من عملك الحالي، إذا كان ذلك متاحا، ثم تسافر إلى البلد الجديد، وتعايش الواقع بنفسك، وتقيم التجربة على أرض الواقع، قبل اتخاذ قرارات نهائية يصعب التراجع عنها.

وتذكر كذلك أن البدايات غالبا ما تكون غامضة النتائج، وهذا بطبيعته يولد شيئا من القلق والخوف، ويدفع كثيرا من الناس إلى التردد وعدم الإقدام، ومع ذلك، فإن الخوف وحده لا ينبغي أن يكون سببا في ترك الفرص الجيدة.

وفي المقابل، إذا تبين لك بعد دراسة متأنية أن هناك عوائق حقيقية وجدية، ستؤثر على استقرارك النفسي والأسري تأثيرا كبيرا لا يمكن تجاوزه أو التكيف معه، فلك حينئذ أن تختار القرار الذي تشعر معه بالرضا والطمأنينة والاستقرار، ما دمت قد بذلت الأسباب واستخرت الله تعالى واستشرت أهل الخبرة.

وفقك الله، ويسر أمرك، وكتب لك الخير حيث كان.

مواد ذات صلة

الاستشارات