كل مولود يأتي برزقه وفي المقابل هنا أطفال مشرودن.. كيف نفهم هذا؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنت أود الاستفسار عن الأطفال والرزق، حيث يقال إن كل طفل يأتي ومعه رزقه، لكن كيف يمكن التوفيق بين هذا الكلام وبين فكرة أنني أريد أن أعلم أطفالي وأوفر لهم مستوى معيشة معينا؟ وكيف نفسر في المقابل الحالات التي نراها لأناس ينجبون أطفالا ولا يستطيعون الإنفاق عليهم؟

كيف نفهم هذا التناقض الظاهري بين القول بأن “كل مولود يأتي برزقه” وبين الواقع الذي نراه من أطفال مشردين أو أسر لا تجد ما يكفي لإطعام أبنائها؟

أنا لا أستطيع تحديد المسألة بشكل واضح، وأرغب في فهمها أكثر، فمثلا: إذا كنت أريد أن أحسن تعليم أطفالي وأوفر لهم حياة كريمة حسب الظروف الحالية، وحتى الحد الأدنى من المأكل والمشرب أصبح صعبا في بعض الأحيان، فكيف نفهم ذلك؟

إذا كان كل إنسان يولد ومعه رزقه، فكيف نرى حالات لا يجد فيها بعض الأطفال ما يكفي من الطعام؟ وإذا كان المقصود فقط المأكل والمشرب، فهذا لا يبدو كافيا من الناحية الإنسانية.

أنا غير قادر على استيعاب هذا الأمر بشكل واضح، وأرجو التوضيح.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونشكر لك وضوحك أيضا في طرح السؤال وموضع الإشكال لديك، ومن حسن تصرف الإنسان أن يسأل فيما أشكل عليه، وهذه وصية النبي ﷺ، فقد قال: ألا سألوا إذ لم يعلموا، فالسؤال حق مشروع، وأحيانا يكون فرضا شرعيا، فقد قال الرسول ﷺ: طلب العلم فريضة على كل مسلم.

وما سألت عنه -أيها الحبيب- جوابه قد تولاه الله تعالى في كتابه، وبينه الرسول الكريم ﷺ في صحيح أحاديثه؛ فالتكفل بالرزق قد تكفل الله به فقال سبحانه: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}، وقال سبحانه وتعالى: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم}.

والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا في أن الله تعالى هو الذي يقسم الأرزاق ويعطيها، فهو الرزاق ذو القوة المتين، وقد قال سبحانه في كتابه الكريم: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون}، أي لا أريد منهم أن يرزقوا ويطعموا من وراءهم من الذرية والأولاد ونحوهم، وإنما أنا الذي أتكفل برزقهم وإطعامهم.

ولكن هذا الرزق الذي تكلم الله تعالى عنه في كتابه وأنه هو الذي يعطيه، جعل له أسبابا، وأمر العباد بالسعي على هذه الأرض للوصول إلى أرزاقهم، فقال سبحانه وتعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه} والرسول ﷺ يقول: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا، فتأمل جيدا قوله: تغدو وتروح، أي تخرج من بيوتها في الصباح باحثة عن رزقها، وترجع في المساء وقد أعطاها الله تعالى رزقها وشبعت.

فالإنسان دوره في الرزق هو الأخذ بالأسباب المباحة، التي أذن الله تعالى بها، وأما مقدار ما يرزقه هذا الإنسان ومقدار ما يعطاه، فهذا مرده إلى الله تعالى، وكثير من الناس قدر الله تعالى عليهم ضيق الرزق وقلة ذات اليد، بغض النظر عن عدد أولادهم، فالله تعالى هو الذي يقسم الأرزاق بين العباد، {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}، أي يوسع الرزق لمن يشاء ويضيقه على من يشاء، والآيات في هذا المعنى أيضا كثيرة جدا.

وأنت إذا تأملت في الواقع، ستجد رجلا له أولاد كثيرون، وقد بسط الله تعالى له رزقا واسعا، وستجد مشابها له في الأولاد، ولكن ضيق الله تعالى عليه رزقه، فليست المسألة مربوطة بعدد الأولاد، إنما بتقدير الله تعالى رزق هذا الإنسان ورزق ذريته.

ومن ينجب كثيرا، لا بد وأنه متعرض لعناء الأخذ بالأسباب، فهو لا يرزق أولاده، ولكنه مكلف بأن يسعى في أسباب الرزق حتى يصل إلى رزقهم، وقد فسر الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- الآية الكريمة التي نزلت في تعدد الزوجات في قول الله تعالى في سورة النساء: {ذلك أدنى ألا تعولوا}، أي ألا تكثر عيالكم، أي فيتعنى الإنسان، ويبذل جهدا بدنيا في طلب الرزق له ولأولاده.

فإذا: لا ينبغي أبدا أن نعود إلى أصل القضية، فننكر ما فيها من إخبار الله تعالى وإخبار رسوله ﷺ، وأن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي يرزق، وأن كل إنسان له رزقه، فما من أحد إلا وقد كتب الله تعالى له رزقه وهو في بطن أمه، كما دل على ذلك الحديث في الصحيحين وغيرهما، فيكتب وهو في بطن أمه: رزقه، وعمله، وشقي أو سعيد، هكذا قال عليه الصلاة والسلام.

ولكن هذا الرزق قد يكون واسعا، وقد يكون ضيقا بحسب ما يقدره الله، والله تعالى لا يفعل شيئا سدى ولا عبثا، وإنما يفعل كل شيء بحكمة، فيوسع لمن يشاء بمقتضى الحكمة، ويضيق على من يشاء بمقتضى الحكمة.

نسأل الله أن يوفقنا جميعا لحسن الاعتقاد في الله تعالى وحسن التوكل عليه.

مواد ذات صلة

الاستشارات