الخوف من البلاء أفقدني راحة الحياة ومتعة الدراسة

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا شاب أدرس تخصص علوم الحاسوب، وأعيش -ولله الحمد- في عافية ونعم كثيرة، لكنني أعاني منذ فترة من قلق مستمر، وحالة ترقب دائمة ومستنزفة، لدرجة أنني فقدت متعة الحياة والدراسة.

يتمحور هذا القلق حول خوف شديد من فجاءة البلاء، أو فقد أحد الوالدين أو الإخوة فجأة، أو الإصابة بمرض، أو التعرض لحادث، وقد ازداد هذا الخوف بعدما رأيت طالبا أو اثنين في جامعتي فقدا بعض أقاربهما خلال فترة الدراسة.

المشكلة الأكبر لدي هي حدوث ربط ديني ونفسي خاطئ في عقلي؛ حيث أستمع كثيرا إلى خطب ومقاطع تتحدث عن الابتلاء والمصائب، وأنها حتمية، وأنها تأتي لرفعة الدرجات، مستشهدة بآيات مثل: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾، وبأحاديث مثل: إن الله إذا أحب عبدا ابتلاه وغيرها.

عندما أسمع هذا الكلام، يصور لي عقلي الخائف أن البلاء قادم إلي لا محالة، وأن حياتي المستقرة الآن ليست إلا هدوءا مؤقتا يسبق العاصفة، ورغم يقيني العقلي بأن آلاف الطلاب يتخرجون دون أن يصيبهم مكروه، فإن فكرة حتمية المصائب ما زالت تطاردني.

أريد من فضيلتكم توجيها شرعيا ونفسيا يفكك هذا الربط:
1- هل ابتلاءات الشر والمصائب الكبرى (كالفقد والمرض) هي الأصل والحتمية في حياة كل مؤمن، أم أن الأصل في علاقة الله بعباده هو العفو والعافية والرحمة، وأن البلاء استثناء؟

2- هل يمكن للعبد أن ترتفع درجاته، وتعلو منزلته عند الله من خلال عبادة الشكر على النعم والعافية، دون الحاجة إلى المرور بفواجع ومصائب؟

أنا أدعو الله بما ورد في حديث رسول الله ﷺ: من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء، لكن يبقى عندي خوف من عدم استجابة الدعاء، وقلق من حدوث مصيبة أو وقوع بلاء.

كما أنني أحافظ على قول: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ومع ذلك يبقى لدي خوف وقلق وتساؤل: ماذا لو قلت هذا الذكر وغيره من الأذكار، ثم وقعت مصيبة، أو نزل بلاء أو مكروه؟ فماذا أفعل؟

بارك الله فيكم، وأرجو أن تجيبوني مباشرة، وألا تحيلوني إلى قراءة استشارة أخرى.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد اللطيف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك اليقين والطمأنينة، وأن يحفظ عليك والديك وأهلك، وأن يديم عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وبعد:

فقد تفهمنا حديثك وسنجيبك عن سؤالك من خلال الأمور الآتية:

1- أول ما لفت انتباهي في رسالتك وأخطره أن المشكلة الحقيقة ليست في البلاء نفسه، وإنما في الخوف المستمر من البلاء قبل وقوعه؛ ذلك أن المصيبة إذا وقعت استجلبت معها لطف الله والإعانة عليها، وكان لها علاجها الشرعي والنفسي، أما أن يعيش الإنسان سنوات طويلة يتجرع ألم مصائب لم تقع بعد؛ فهذا بلاء آخر يسرق عليه عمره وراحته دون أن يغير شيئا من قدر الله.

2- من الأخطاء الشائعة كذلك أن بعض الناس يسمع نصوص الابتلاء، فيفهم منها أن حياة المؤمن لا بد أن تكون سلسلة من الفواجع والخسائر والمصائب المتتابعة، وهذا الفهم غير صحيح، نعم، الابتلاء سنة من سنن الله، لكن العافية أيضا سنة من سننه، والرحمة سنة من سننه، والستر سنة من سننه، والرزق سنة من سننه، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الله العافية كثيرا، ويقول: سلوا الله العفو والعافية، ولم يأمر الناس بتمني البلاء ولا بانتظاره.

3- قول الله تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾، لا يعني أن كل إنسان سيبتلى بجميع أنواع المصائب الكبرى التي يتخيلها، ولا أن كل مؤمن لا بد أن يفقد والديه أو أولاده أو يصاب بمرض خطير، فالآية تخبر عن أصل الامتحان في هذه الدنيا، لا عن صورة واحدة محددة منه.

4- لو تأملت واقع الناس لرأيت أن الابتلاءات تتنوع تنوعا عظيما، فهذا يبتلى بمرض، وذاك بفقر، وآخر بوسواس، وآخر بضعف إيمان، وآخر بمشكلات أسرية، وآخر بطول انتظار أمر يتمناه، وليس من اللازم أن ينال الإنسان كل أنواع البلاء حتى يكون من أهل الإيمان.

5- أما سؤالك: هل يمكن أن ترتفع درجات العبد بالشكر دون المرور بالمصائب الكبرى؟ فالجواب نعم، بل هذا من أعظم أبواب القرب إلى الله، وقد كان بعض السلف يقولون: إن الشكر على العافية يحتاج إلى عبادة لا تقل عن الصبر على البلاء، والله تعالى قال: ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾، وقال: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾، فليس الطريق إلى رفعة الدرجات محصورا في المصائب، بل قد يرفع الله عبدا بشكره، وذكره، وطاعته، وإحسانه، وصدق قلبه أعظم مما يرفع غيره بالبلاء.

6- من المهم أن تدرك أن الله سبحانه يحب من عبده أن يسأله العافية، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أسألك العفو والعافية، فلو كان الأكمل دائما هو وقوع المصائب لما كان سؤال العافية من أجل الأدعية وأعظمها.

7- الذي يظهر من رسالتك أن عقلك وقع في معادلة غير صحيحة، وهي: بما أن الابتلاء سنة؛ إذن فالمصيبة الكبرى قادمة لا محالة، وهذه قفزة عقلية لا دليل عليها، فكون الإنسان سيمتحن في حياته، لا يعني أن كل سيناريو مخيف يتخيله سيقع له.

8- أما الذكر الذي تقوله: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، وحديث: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به... فهذه أذكار عظيمة مباركة، لكن ينبغي أن تفهمها الفهم الصحيح، فالمؤمن يقولها تعبدا لله وثقة بوعده، لا باعتبارها عقد تأمين يمنع كل مكروه من الوقوع مطلقا.

ولذلك فإن السؤال: ماذا لو قلت الأذكار، ثم وقع بلاء؟ جوابه أن الأذكار لم تخلف وعدها، وإنما وقع ما قدره الله لحكمة يعلمها سبحانه، وقد يكون الذكر سببا في دفع بلاء أعظم لم تره، أو في تخفيف مصيبة كانت ستقع بصورة أشد، أو في إعانتك على الصبر والثبات عند نزولها.

وتأمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس ذكرا لله، ومع ذلك مرض، وجاع، وفقد أبناءه، ومات أقرب الناس إليه؛ فالأذكار لا تعني أن الدنيا تتحول إلى جنة لا يقع فيها ألم، وإنما تعني أن العبد يعيش في حفظ الله ومعيته وتوفيقه ولطفه.

9- من الناحية النفسية، أنصحك أن تتوقف عن تتبع أخبار المصائب، وتتبع القصص المؤلمة، وربطها بنفسك؛ فالعقل القلق يميل إلى تضخيم الأحداث النادرة حتى يظنها قاعدة عامة، فأنت ترى طالبا فقد قريبا له فتشعر أن الدور قادم عليك، بينما لا تنتبه إلى آلاف الطلاب الذين مرت سنوات دراستهم بهدوء وعافية.

10- حاول أن تنقل تركيزك من سؤال: ماذا لو فقدت أبي، أو أمي؟ إلى سؤال: كيف أبرهما اليوم؟ ومن سؤال: ماذا لو وقع البلاء؟ إلى سؤال: كيف أشكر الله على العافية التي أنا فيها الآن؟ فالشيطان يريد أن يحرمك نعمة الحاضر بخوف من مستقبل لا تعلمه.

واعلم أن المؤمن لا يعيش بين وهم الأمن المطلق، ولا تحت سطوة الخوف الدائم، وإنما يعيش بين الرجاء والخوف، يأخذ بالأسباب، ويحافظ على الأذكار، ويدعو ربه بالعافية، ثم يمضي في حياته مطمئنا إلى أن ما اختاره الله له، خير مما يختاره لنفسه.

نسأل الله أن يملأ قلبك طمأنينة ويقينا، وأن يحفظ عليك والديك وأهلك، وأن يديم عليكم نعمة العافية، وأن يرزقك حسن الظن به، والانشغال بشكره عما لم يقع من المخاوف التي أتعبتك، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات