أعيش في بيئة غربية وأخشى على زوجي من النظر الحرام

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة في 21 من العمر، وزوجي في 31 من العمر، كنت أعيش في مدينة بيرغن منذ 8 سنوات مع عائلتي وإخوتي الصغار، ومنذ قدومي إلى هنا وأنا أعاني من الغربة والوحدة، فلم أستطع تكوين صداقات أشعر معها بالراحة والثقة، ولذلك كانت حياتي تدور بين المدرسة والبيت فقط، دون أنشطة أو أحداث جديدة، حتى أصبح الروتين والملل جزءا من يومي.

كما أن الجو في البلد غالبا ما يكون غائما وممطرا، وحتى عندما تتحسن الأجواء أشعر أننا نكرر الخروج إلى الأماكن نفسها، فلا يتغير إحساسي كثيرا.

وكنت أتمنى دائما أن يكون لدي أصدقاء من جيلي أشاركهم حياتي وأخرج معهم، لكنني بقيت وحيدة أغلب الوقت.

وبعد زواجي تغيرت حياتي قليلا وأصبحت أجمل، فأصبحت أخرج مع زوجي أكثر وأرى المجتمع من حولي، لكن بدأت تظهر عندي معاناة أخرى، فأنا من أسرة محافظة، وأحب الالتزام بديني، وأحرص على سماع الدروس وقراءة ما ينفعني، ولكنني أعيش في بيئة يكثر فيها التبرج وكشف العورات، وهذا يزعجني نفسيا، ومشكلتي الأساسية هي كثرة التفكير والتحليل المبالغ فيه.

فإذا رأيت زوجي ينظر ولو بغير قصد إلى امرأة في الشارع أو على الهاتف أشعر بضيق شديد، وأظل أحلل الموقف وأفكر فيه لفترة طويلة، مما يؤثر على مزاجي ونفسيتي، مع أنني أعلم في داخلي أن كثيرا من هذه الأفكار قد تكون مبالغا فيها أو غير صحيحة.

وقد تحدثت مع زوجي في هذا الأمر، وهو يؤكد أنه يحبني ووعدني أن يجتهد في غض البصر ما استطاع في هذه البيئة التي يكثر فيها الاختلاط والنساء لإرضائي وعدم إزعاجي، وأنا في الحقيقة لا أراه يتعمد النظر، بل أعتقد أن لديه عادة الالتفات حوله دون قصد وبدون نية سيئة، وخصوصا أنه نشأ في هذا المجتمع منذ صغره فلا يفكر كتفكيري، كما أنني أقلق عندما يخرج وحده وأخاف مما قد يراه أو يتعرض له، وتظل هذه المخاوف تشغل تفكيري.

وقد تعلقت به وأحببته بشدة، فهو ليس فقط زوجا بل صديق، ولأول مرة أشعر بالحب والحنان، وأراه أجمل ما رزقني الله به في وحدتي، وأشعر أنني محظوظة به، بأخلاقه وتعامله الطيب معي، وطيب قلبه جدا.

وهو يعمل عملا مستقرا في البحر على عبارة لنقل الركاب، وليس فيه الكثير من الجهد، وهذا العمل يصعب إيجاد بديل مماثل له في بلد مسلم، لذلك أشعر أننا مضطران للبقاء هنا.

ومع أن قلبي يحن إلى الرجوع، وأرغب في أن أعيش بين أناس يشبهونني في العادات والتفكير، وأتمنى أن أعيش في بيئة أكثر محافظة لأحافظ على ديني، وخصوصا أننا نرغب في الإنجاب مستقبلا.

كما يقلقني أن زوجي غير ملتزم بالصلاة والقرآن بشكل منتظم، ولأن ثقافته الدينية محدودة نسبيا، خاصة أنه نشأ هنا منذ صغره بعيدا عن أهله ومجتمعه.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ براءة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختنا الكريمة- في موقعك إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى: أسأل الله أن يبارك لك في زواجك، وأن يقر عينك بصلاحه، وأن يرزقك السكينة والطمأنينة.

بعد قراءة رسالتك بتأن، أرى أن المشكلة الحقيقية ليست في زوجك بقدر ما هي في اجتماع ثلاثة أمور عندك، وهي:
• سنوات طويلة من الغربة والوحدة.
• التعلق الشديد بزوجك بعد الزواج.
• كثرة التفكير والتحليل واسترسال الذهن مع المخاوف.

ولهذا فإن ما يحدث معك مفهوم من الناحية النفسية، فأنت عشت سنوات تتمنين وجود شخص قريب منك يشاركك حياتك، فلما رزقك الله زوجا تحبينه، ووجدت فيه الحنان والصداقة والأمان، أصبح الخوف عليه، والخوف من فقدانه أو تعلقه بغيرك، أكبر من المعتاد، لذلك فإن الغيرة التي تشعرين بها ليست ناتجة فقط عن رؤية زوجك لمشهد عابر، وإنما يغذيها تعلقك الشديد به، وخوفك من أن يتغير هذا الاستقرار الجميل الذي وجدته بعد سنوات من الوحدة.

ومن المهم أن تعلمي أن الغيرة نوعان:
الأولى: غيرة محمودة تدفع إلى المحافظة على الحياة الزوجية.
الثانية: غيرة تتجاوز حدها فتتحول إلى سوء ظن، ومراقبة مستمرة، واستنزاف نفسي.

وأنت بنفسك ذكرت شهادة مهمة جدا لصالح زوجك، وهي أنك لا ترينه يتعمد النظر، وأنه يحبك، ويحاول مراعاة مشاعرك، ويجتهد في غض بصره، وهنا أسألك: إذا كان الأصل في زوجك حسن الخلق والمحبة والوفاء، فلماذا تجعلين الاستثناءات العابرة هي التي تحكم الصورة كلها؟

في مثل البيئة التي تعيشان فيها قد تقع العين على ما لا ينبغي دون قصد، وهذا يقع من كثير من الناس، والمؤاخذة تكون على تعمد التتبع والاسترسال، لا على مجرد النظرة الفجائية التي لا يقصدها صاحبها، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة، فالمطلوب منك، وبطريقة هادئة وأسلوب حسن، التأكيد على زوجك بفضل غض البصر.

الجزء الأكبر من معاناتك لا يبدأ عند رؤية الموقف، بل يبدأ بعده، وهذا قد يكون بسبب الوساوس والأفكار التي يوردها عليك الشيطان الرجيم ليفسد عليك حياتك، فالواجب عليك حين تأتيك هذه الأفكار ألا تصغي لها، ولا تسترسلي معها، ولا تحاوريها، بل يجب عليك قطعها مباشرة مع الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، فالموقف ربما يستغرق ثانيتين، لكن التفكير فيه يستمر ساعات أو أياما، وهنا يكمن التعب الحقيقي.

الذي أنصحك به هو أنه كلما رأيت موقفا مقلقا، فبادري بسؤال نفسك: هل عندي دليل على ما أخشاه، أم أنني أفسر النوايا؟ وهل هذا الموقف ينسجم مع عشرات المواقف التي رأيت فيها محبة زوجي ووفاءه؟ وفي الغالب ستكتشفين أن الواقع أهدأ من الصورة التي يصنعها الوسواس والقلق داخل ذهنك.

بخصوص البيئة التي تعيشين فيها، فلا شك أن تألمك من انتشار التبرج أمر يدل على حياة القلب وحرصه على الدين والخلق القويم، لكن ينبغي الحذر من أن يتحول هذا التألم إلى خوف دائم يسرق منك راحة الحياة، لست الوحيدة التي تعيش في بلد يعج بالفتن، ومنها التبرج؛ فقد عاش المسلمون الصالحون في أزمنة سابقة وأماكن مختلفة كثرت فيها الفتن، بل ولا يزالون، ولكنهم جاهدوا ويجاهدون أنفسهم، ويأخذون بالأسباب، دون أن يعيشوا في حالة استنفار مستمرة.

ذكرت في استشارتك أن زوجك مقصر في الصلاة، وعنده ضعف في الجانب الديني، فهذا في نظري أهم ما يحتاج إلى عناية، فينبغي أن توجهي انشغالك إلى إصلاحه، وتوثيق صلته بربه، ومساعدته، ومشاركته في بعض العبادات التي تقوي إيمانه، أكثر من نظرة عابرة هنا أو هناك.

لا تواجهي زوجك، ولا تلوميه مباشرة، ولا تكثري عليه الكلام، ولكن ما بين الحين والآخر، وبأساليب مختلفة؛ فالنفس تمل من كثرة اللوم، ويصبح الكلام غير مقبول، وعليك أن تتحيني الأوقات المناسبة لذلك، وأظهري له المحبة، واجعلي كلامك رقيقا رفيقا، وأكثري له من الدعاء، كوني له القدوة الحسنة، فكثير من الأزواج يتغيرون تدريجيا عندما يجدون في بيوتهم سكينة وإيمانا وحسن معاملة، لا عندما يشعرون أنهم تحت التقييم والمحاسبة الدائمة.

اجعلي بيتكما عامرا بذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن بصوت هادئ يلين القلوب، وأكثري من الدعاء له في السجود، وافرحي بأي خطوة إيجابية يقوم بها، ولو كانت صغيرة، وأكثري من الثناء عليه في حال التحسن.

انتقالكما إلى بلد مسلم مستقبلا أمنية طيبة، يجب المبادرة لها إذا تيسرت أسبابها؛ وذلك لخطورة العيش في بلاد غير مسلمة، وقد حذر نبينا ﷺ من الإقامة بين ظهراني المشركين، ولكن لا تجعلي سعادتك معلقة بها وحدها؛ فكم من أسر عاشت في بلاد غير إسلامية وحافظت على دينها، وكم من أسر انتقلت إلى بلاد مسلمة ثم واجهت أنواعا أخرى من التحديات، فالعبرة ليست بالمكان وحده، بل بوجود أسرة صالحة تعرف كيف تحافظ على دينها حيث كانت.

وأوصيك أخيرا بأن توسعي دائرة حياتك قليلا خارج إطار الزوج فقط، ومن ذلك:
• الالتحاق بحلقة قرآن نسائية إن وجدت؛ لأن المراكز الإسلامية منتشرة في البلدان غير المسلمة.
• تكوين صحبة صالحة من خلال ربط علاقات مع من يسكن في المدينة من المسلمين، وستجدين الكثير سواء من أبناء بلدك أو غيرها.
• المشاركة في أنشطة نافعة.
• تعلم مهارة جديدة، سواء عبر مركز يقيم تلك المهارات أو عبر شبكة الإنترنت.
• ممارسة رياضة أو هواية محببة.

فكلما اتسعت دائرة حياتك الصحية؛ خف ضغط التعلق والخوف والقلق، وأصبحت علاقتك بزوجك أكثر هدوءا واطمئنانا.

أسأل الله أن ينزل على قلبك السعادة والطمأنينة، وأن يرزق زوجك الاستقامة على الدين، ويثبته على إقامة الصلاة، وأن يجمع بينكما على المودة والتقوى، وأن يرزقكما ذرية صالحة تكون قرة عين لكما في الدنيا والآخرة، آمين.

مواد ذات صلة

الاستشارات