السؤال
السلام عليكم.
حاليا أنا أعتبر نفسي قريبا من الله؛ فأنا أصلي في المسجد حاضرا، وحتى صلاة الفجر، ولكني عندما أسمع المواعظ الدينية يصيبني شعور بالخوف، وأني سأموت؛ حيث أسمع صوتا يقول لي: أنت ستموت، وهذا الشعور ملازم لي كل يوم، وحتى في أوقات الصلاة، وأوقات أخرى، لكنه يزيد في وقت الصلاة بالذات في المسجد، أو أثناء سماع المواعظ الدينية، وعند قراءة الأذكار، فأستعيذ من الشيطان، ولكن هذا الموضوع قد سبب لي رهبة، لدرجة أنني لا أستطيع المذاكرة، ولا أركز في الصلاة، فالفكرة في حد ذاتها مرعبة.
أنا أخاف من هذا الأمر، ولا أحب التفكير فيه، ولا أدري ما سببه؟ وأتمنى أن يزول عني، وعندما أنتكس، أو أقوم بعمل ذنب، فإن هذا الشعور يزول، وأكون مندمجا في ملذات الحياة، ولا يحصل شيء.
فهل هناك حل لمشكلتي، فقد تعبت؟!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ معاذ حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يثبت قلبك على طاعته، وأن يرزقك حسن الخاتمة، وأن يصرف عنك الخوف والوسواس، وأن يملأ قلبك سكينة ويقينا، وبعد، فقد تفهمنا ما ذكرته، وسنجيب من خلال ما يلي:
1- إننا نؤمن بأن الموت حق، ومقدر، ومكتوب على الجميع، وأنها مرحلة انتقال من دار إلى دار، ولذا فإن المؤمن من بين سائر الخلق هو من يسأل الله حسن الخاتمة، موقنا بأنه متى ما رحمه الله فإنها أسعد دار، وأطيب مقام، ومع ذلك فإن الشريعة لم تأمره أن يعيش خائفا من الموت في كل لحظة، بل أمرته أن يعمل، ويعمر الأرض، ويعبد الله مطمئن القلب.
ولهذا كان النبي ﷺ مع كثرة ذكره للآخرة يعيش حياته على أكمل وجه، ويعبد ربه، ويجاهد، ويبتسم، ويعامل الناس، ولم يكن الخوف من الموت يشل حياته أو يمنعه من أداء واجباته.
2- المشكلة ليست في تذكر الموت، وإنما في الوسواس الذي ربط بين الطاعة وبين قرب الموت، فأصبح الشيطان كلما رآك مقبلا على الصلاة، أو المسجد، أو سماع المواعظ قال لك: الآن ستموت! حتى صرت تخاف من العبادة بعد أن كانت مصدر طمأنينتك، وهذه من مكايد الشيطان؛ لأنه لما عجز عن صرفك عن الصلاة بالمعصية، حاول أن يصرفك عنها بالخوف.
3- من الأدلة الواضحة على أن هذا وسواس لا حقيقة له أنك ذكرت أن هذا الشعور يضعف إذا وقعت في الذنب، أو انشغلت بملذات الدنيا، ولو كان هذا الإحساس إنذارا حقيقيا بالموت -كما توهمت- لما اختفى عند المعصية، وظهر عند الطاعة، وإنما الشيطان يريد أن يجعل الطاعة نفسها سببا للقلق؛ حتى تثقل عليك العبادة شيئا فشيئا.
4- اعلم -علمك الله ما يصلحك- أن الموت لا يرتبط بالصلاة، ولا بالمسجد، ولا بسماع الموعظة، وإنما له أجل كتبه الله قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ثبت عن النبي ﷺ.
والله عز وجل هو القائل: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ۖ ولا يستقدمون} فلا خوفك يقدم الأجل، ولا هروبك من المسجد يؤخره، ولا تركك للموعظة يغير ما كتبه الله لك.
5- لو تأملت لوجدت أن حسن الخاتمة لا تكون بالهرب من الطاعة خوفا من الموت، وإنما تكون بالثبات عليها؛ فلو قدر الله أن يموت الإنسان وهو ساجد، أو ذاهب إلى المسجد، أو مشتغل بذكر الله، فهذه نعمة عظيمة يرجوها المؤمن، لا أمرا يفر منه.
6- من الناحية العملية، لا تناقش هذه الفكرة إذا جاءت، ولا تحاول أن تثبت لنفسك أنك لن تموت الآن، لأن هذا هو الوقود الذي يعيش عليه الوسواس، فإذا جاءك هذا الخاطر فقل في نفسك: "هذه وساوس أعرفها ولن ألتفت إليها"، ثم أكمل صلاتك أو ذكرك دون أن تدخل معه في حوار.
7- إذا اشتد عليك الخوف أثناء الصلاة فلا تعجل بها لتتخلص من القلق، بل خالف الوسواس، وأتم صلاتك بهدوء؛ لأن الاستجابة له اليوم ستجعله أشد غدا، أما تجاهله، والصبر عليه، فيضعفه مع مرور الوقت.
8- احرص على أذكار الصباح والمساء، ودعاء النبي ﷺ: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، فإن المؤمن يجمع بين الاستعداد للآخرة وسؤال الله دوام العافية، ولا تعارض بين الأمرين.
9- احرص كذلك على الصحبةالصالحة، واحذر من قضاء أوقات الفراغ وحدك، بل نقول لك: اجتهد ألا تجعل لنفسك وقت فراغ.
وأخيرا: تذكر أن الشيطان يريد أن يحرمك لذة الطاعة، فلا تحقق له ما يريد، واعبد ربك مطمئنا، واترك أمر أجلك إلى من بيده ملكوت كل شيء، وجاهد في ذلك، وسوف تلاحظ بعد فترة من المجاهدة أن الأمر قد انتهى، أو ضعف كثيرا -بإذن الله-.
نسأل الله أن يثبت قلبك على الإيمان، وأن يصرف عنك الوسواس والخوف، وأن يرزقك لذة العبادة وحسن الخاتمة، وأن يجعل حياتك عامرة بطاعته حتى تلقاه وهو راض عنك، والله الموفق.
_______________________________________________
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد المحمدي -مستشار اجتماعي وتربوي-.
وتليها إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم -استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان-.
_______________________________________________
مرحبا بك في الموقع، ونشكرك على الثقة في إسلام ويب، وأؤكد لك أنني قد اطلعت على رسالتك بكل دقة وعناية، وكذلك على الإجابة الممتازة والمتميزة التي زودك بها الدكتور الشيخ/ أحمد المحمدي، جزاه الله خيرا، فأرجو أن تأخذ بكل التعليمات الشرعية السلوكية التي أوردها لك الشيخ.
أيها الفاضل الكريم:
لا شك أن الذي تعاني منه هو نوع من الوساوس الظرفية؛ أي الوسواس المرتبط بظرف معين، والربط ما بين الطاعات والوساوس أمر معروف جدا، وكثيرا ما يكون محتوى الوسواس غير محبب، وغير مفضل للنفس، بل على العكس تماما، كثيرا ما يكون وسواسا سيئ المحتوى، ففي حالتك ارتبطت الصلاة بتذكر الموت.
وهذا النوع من الوساوس تتعامل معه من خلال التحقير، ولا تناقش الفكرة أصلا وأنت خارج الصلاة، وفي أثناء الصلاة يجب أن تحقره، وهنالك تمرين معين نسميه تمرين (التحقير)؛ وهو أن تجلس في مكان هادئ، وتتصور هذا الوسواس، وفجأة تخاطبه قائلا: "أنت وسواس حقير، أنا لن ألتفت إليك، أنت تحت قدمي، وهكذا"، تكرر هذا عشرين مرة متتالية.
ثم تطبق تمرينا آخر نسميه بـ (صرف الانتباه): استجلب الفكرة الوسواسية، وهي الخوف من الموت أثناء الصلاة، وفجأة تحول إلى فكرة أخرى، فكرة تكون مضادة لهذه الفكرة، فكرة طيبة جميلة، مثلا تذكر يوم تخرجك من الجامعة، أو يوم زواجك، وعش تفاصيل مثل هذه الأحداث الجميلة.
أما التمرين الثالث، فنسميه (التنفير): والتنفير من التمارين الضرورية جدا والمهمة، ولتطبيق هذا التمرين: أن تجلس داخل الغرفة، وفي هدوء أمام الطاولة مثلا، ثم قم بالضرب على يدك بقوة وشدة على سطح الطاولة؛ حتى تحس بالألم.
اربط هذا الألم بالفكرة الوسواسية؛ فكرة الخوف من الموت أثناء الصلاة، وحاول أن تكرر هذه الضربات لعشرين مرة متتالية، ولا بد أن يكون الربط ما بين الفكرة وإيقاع الألم وثيقا جدا، يعني في نفس لحظة الشعور بالألم، تأتي بالفكرة، علماء السلوك وجدوا أن هذا سوف يضعف الفكرة الوسواسية.
كرر هذه التمارين يوميا، ويجب أن تخصص لها وقتا، الجلسة الواحدة تحتاج لعشرين دقيقة على الأقل، ولا بد أن تكون في محيط هادئ داخل الغرفة.
هذا هو العلاج السلوكي الذي أشار إليه الشيخ الدكتور/ أحمد المحمدي، وأرجو أن تطبقه كما هو.
الأمر الثاني وهو الاستفادة من وقتك وتجنب الفراغ:
الوساوس دائما تزداد عند الناس الذين لا يعملون، أو لا يدرسون، أو لديهم فراغ كثير، وأرجو أن تملأ وقتك بما هو مفيد، أنت ذكرت في الوظيفة أنك لا تعمل، أنا أتصور في هذا العمر يجب أن تكون في مرحلة دراسية، نهايات الثانوية أو الجامعة.
فأرجو -أيها الفاضل الكريم- حتى وإن كنت قد توقفت عن التعليم، أن تبدأ وتعاود التعليم، التعليم مهم جدا للإنسان.
فتجنب الفراغ، بصفة عامة هو أمر مطلوب، كما أن تجنب السهر أيضا مطلوب، وأن تحرص على ممارسة الرياضة، ونحمد الله أنك حريص على الصلاة في وقتها، وكذلك الأذكار، فأنا أود أن أقترح عليك أن تدخل في مشروع لحفظ القرآن الكريم، أو لأجزاء من القرآن، ضع هذا المشروع العظيم نصب عينيك، وضع الآليات التي توصلك إلى غاياتك.
بقي -أيها الفاضل العزيز- أن أقول لك أنه يوجد دواء بسيط جدا، وسليم جدا، وفاعل جدا، لعلاج هذه الحالة، ويناسب عمرك، الدواء يسمى "سيبرالكس - Cipralex"، هذا هو اسمه التجاري، واسمه العلمي "إستالوبرام - Escitalopram"، للحصول عليه، ربما تحتاج أن تذهب إلى الطبيب، ليس من الضروري أن يكون طبيبا نفسيا، أي طبيب يمكن أن يصفه لك، لكن إذا تمكنت أن تذهب إلى الطبيب النفسي فهذا أمر جيد.
تبدأ في تناول الإستالوبرام بجرعة نصف حبة من الحبة التي تحتوي على (10 ملغ)، أي تتناول (5 ملغ) يوميا كجرعة بداية، استمر عليها لمدة عشرة أيام، بعد ذلك اجعل الجرعة (10 ملغ) يوميا لمدة شهرين، ثم خفضها إلى (5 ملغ) يوميا لمدة أسبوعين، ثم (5 ملغ) يوما بعد يوم لمدة أسبوعين آخرين، ثم توقف عن تناول الدواء.
لا بد من الالتزام بهذا البروتوكول العلاجي، وكما تلاحظ أن مدة العلاج قصيرة جدا، كما أن الجرعة صغيرة جدا، وفي ذات الوقت الدواء دواء رائع وسليم جدا.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.