السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كان والدي معلما في جامعة إسلامية، وحافظا للقرآن الكريم، ومحافظا على الصلوات كلها، وكان يؤم الناس في المسجد أحيانا؛ فهو رجل متعلم.
منذ نحو سنتين أصيب بجلطة في المخ أثرت في الشق الأيسر من جسده بالكامل، ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم، أصبح لا يصلي إلا نادرا، وربما ينزل لأداء صلاة الجمعة مرة واحدة فقط، وقد أحضرت له إمام المسجد ليتحدث معه، ولكن دون جدوى!
كذلك أصبح يتلفظ بألفاظ غير لائقة، ويقضي جل يومه جالسا في المنزل في المكان نفسه تقريبا ممسكا بهاتفه، لقد بدأ يتحرك قليلا مستندا إلى مشاية أو عكاز، وقد أوضح الطبيب أن سلوكياته تغيرت؛ لأن المرض أثر في الدماغ بشكل كبير، فماذا نفعل الآن بشأن صلاته؟
وبما أن الطبيب أوضح أن سلوكياته وتلفظه بهذه الألفاظ أمر خارج عن إرادته، لأنه لا يستوعب ما يقوله، فكيف نتعامل مع هذا الأمر؟
وأيضا، هو يمسك بهاتفه طوال اليوم منذ استيقاظه حتى نومه، مستمرا في الجلوس بالمكان نفسه، ولا يتحرك إلا لتغيير الكرسي فقط، فما الحل؟
ختاما، أطلب نصيحة له، فقد كان شيخا للبلدة وواسع المعرفة بالدين، ولا أدري ماذا أقول لكم، لكني أرجو نصيحة ليقرأها.
معذرة على الإطالة، وجزاكم الله خيرا، ونفع الله بكم ووفقكم دائما يا رب.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، كما نشكر لك حرصك على الإحسان إلى والدك، وتجنيبه ما قد يسخط الله تعالى عليه، فنسأل الله تعالى أن يجزيك خيرا، ويزيدك برا.
وبداية نقول -أيها الحبيب-: إن المرض يقدره الله تعالى لحكم جليلة، ومنها: الكفارة للذنوب والسيئات، والرفعة للدرجات، وغير ذلك من حكم الله تعالى الكثيرة من وراء المصائب التي تصيب الإنسان.
وما ذكرته من تصرفات والدك إن كان يتصرفها بغير وعي منه -كما أفاد الطبيب- وأنه لا يدرك ماذا يقول، فإن الله تعالى يرفع عنه القلم في هذه الحالة، ولا يؤاخذه بهذا الكلام، فقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: رفع القلم عن ثلاثة، وأخبر بأن من هؤلاء الثلاثة من يفقد عقله، بحيث لا يميز ما يقول؛ فقد ذكر عن الصبي حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وهؤلاء يجمعهم عدم التمييز، وأنهم يفعلون ما يفعلون مع عدم القدرة على تمييز ما يفعلون، فمن رحمة الله تعالى أنه رفع عنهم المؤاخذة، فلا يؤاخذون بما يقولون، ووالدك نرجو الله تعالى أن يكون منهم.
أما عن الصلاة، فإن كان يعي ما يقول ويعقل، فإنه مطالب بأن يصلي الصلاة في وقتها؛ فإن الصلاة لا تسقط عن الإنسان إلا بزوال عقله، أما المرض الذي يعتريه فإنه لا يمنع وجوب الصلاة، ولا يعذره من أداء الصلاة بحسب القدرة؛ فقد قال النبي ﷺ: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب، ولا يجوز للإنسان أن يترك الصلاة ما دام عاقلا.
ونوصيك -أيها الحبيب- بالرفق بوالدك، والتحبب إليه، وتذكيره بثمرات الصلاة ومنافعها الدينية والدنيوية، العاجلة والآجلة؛ فإن الصلاة ميزان الأعمال، إذا صلحت صلحت سائر الأعمال، وإذا فسدت فسدت سائر الأعمال، هكذا قال الرسول ﷺ؛ فقد قال: إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب -عز وجل-: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك، فهذا الحديث يبين أهمية الصلاة ومنزلتها بين الأعمال، وأن صلاحها صلاح لسائر الأعمال.
وهناك كتيب صغير موجود على شبكة الإنترنت لأحد علماء مصر، وهو الشيخ الدكتور محمد إسماعيل المقدم، وعنوان الكتاب: "لماذا نصلي؟"، ننصحك بأن تداوم قراءة هذا الكتاب بجانب والدك وبحضرته؛ فإن فيه الكثير من المرغبات التي ترغب بالمحافظة على الصلاة.
خير ما نوصيك به -أيها الحبيب- الرفق، وحسن الدعوة لوالدك إلى أداء هذه الصلوات؛ بحيث لا يضجر فيزيد فوق الشر شرا آخر، والعلماء يتكلمون عن ضوابط أمر الولد لوالده بالمعروف أو نهيه عن المنكر، وأنه يأمره وينهاه ما لم يغضب، فإذا غضب سكت.
فاحرص على أن تكون لينا رفيقا في نصح والدك وتذكيره، واستعن بمن لهم كلمة مقبولة لديه من أصدقائه وأقاربه، وسيكتب الله تعالى النجاح لجهودك، وسيكلل تعبك بالثمرات الطيبة التي تحبها وترجوها.
أما عن الصلوات السابقة، فإن بعض العلماء يرى بأن من ترك الصلاة عامدا لا يجب عليه قضاء ما فات، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء، فإن كان والدك لن يحافظ على الصلاة ولن يرجع إلى الصلاة لو كلف بقضاء الصلوات السابقة، فينبغي أن يحث وينصح بأن يصلي الصلوات الحاضرة ويحافظ عليها في المستقبل، وتغضون الطرف عما مضى من الصلوات، والله تعالى كريم وهاب، نسأله سبحانه أن يغفر له ويتجاوز عنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي (مستشار الشؤون الأسرية والتربوية)،
وتليها إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم (استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى لوالدك العافية والشفاء.
يعرف عن الجلطات الدماغية أنها إذا كانت كبيرة وفي أماكن حساسة من الدماغ، فإنها تؤثر على تركيز الإنسان، وعلى أدائه، وعلى انضباطه، وعلى مستوى إدراكه، وهذا أمر معروف -أيها الفاضل الكريم-.
ويظهر أن الوالد أصيب بهذه الجلطة، مما نتج عنه تغير في شخصيته؛ حيث إنه كان رجلا مصليا، ورجلا هادئا، والآن أصبح لا يؤدي صلاته على الوجه المطلوب، كما أنه أصبح يتلفظ بألفاظ قد تكون غير مقبولة، وهذا تغيير أساسي جدا في المسلك الناتج من الجلطة.
وفي هذه الحالة -أيها الفاضل الكريم- يجب أن يلاحظ الطبيب الذي يقوم بمتابعته هذا الشيء، ويجب أن يذكر له ذلك، ومن ثم يمكن لطبيب الأعصاب أن يحوله إلى الطبيب النفسي؛ فكثير من هؤلاء المرضى يكون لديهم تغيرات في شخصيتهم وفي مسلكهم؛ نسبة لعدم قدرتهم على التعبير، أو على الحركة، ومن ثم يحدث لهم اكتئاب ثانوي، ويفتقد الواحد منهم الارتباط بالواقع، ويكون حكمه على الأمور فيه شيء من الخلل، حتى وإن لم يكن خللا كاملا.
فيا أخي الكريم، اعرض والدك على الطبيب النفسي المختص، وخاصة الأطباء النفسيين المختصين في الطب النفسي لكبار السن، وأنا على ثقة تامة أن الطبيب سوف يعطيه بعض الأدوية التي نسأل الله أن تحسن من مزاجه، وأن تقلل القلق والتوتر، والحالة الاكتئابية لديه، ومن ثم هذا سوف يساعد كثيرا قطعا في سلوكياته.
أما بالنسبة لموضوع الصلاة، فقد أفادك الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- حول هذا الموضوع، ومن جانبي أقول لك: حاولوا أن تشجعوه على الصلاة -حتى وإن كان غير مرتبط بالواقع ومفتقد البصيرة- بكل طيبة ولين يمكن أن يشجع به على الصلاة، مثلا، تستصحبه أنت إلى المسجد -إذا كان قادرا على المشي-، أو حتى إن صلى في البيت، يجد مساعدة كبيرة من أهل البيت، فالموضوع يتطلب التشجيع، ويجب ألا ينتقد أبدا في هذا الأمر؛ فغالبا هو من أصحاب الأعذار.
لله الحمد، فإن في الأمر سعة وتيسيرا، ورحمة الله -جل وعلا- وسعت كل شيء، والإنسان مأمور بتقوى الله في كل أحواله، غير أن أصحاب الأعذار لهم حكمهم؛ وقد عذرهم الله، ومن ثم وجب علينا كبشر أن نلتمس لهم العذر ونرحم ضعفهم، وقد قال الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم}، وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.