طالت مدة الخطبة والخاطب لا يتحدث في أمر الزواج، ماذا أفعل؟

0 1

السؤال

السلام عليكم.

أنا فتاة أبلغ من العمر 29 سنة، لطالما تقدم لخطبتي العديد من الشباب، لكنني دائما مترددة، إلى أن تقدم لخطبتي شخص كنت أعرفه عندما كنت في فترة الدراسة، فوافقت، وتمت الخطبة بسلام، وقد مرت سنة على الخطبة، وعلى التواصل، ولكنه لا يتحدث أبدا عن الزفاف، أو موعده، أو أي شيء يخصنا، وكل حديثه عن أمور تافهة؛ مثل كيف مر يومه، أو يومي، ويسألني عن حال إخوتي، ووالدي، وما إلى ذلك.

وكل مرة تسألني أمي: متى قررتما موعد الزفاف؟ أصمت، ولا أجد جوابا، واتخذت قراري بالحديث معه، فكان رده بأنه ليس على استعداد حاليا، والسبب هو المال، لكنه لم يحدثني عن هذا من قبل، فأصبحت في حيرة من أمري، ماذا علي أن أفعل؟

أصبحت أحرج بسبب الأسئلة المتكررة من طرف عائلتي وأصدقائي، فهل لكم أن تنصحوني بشيء؟

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختنا الكريمة- في شبكة إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى: أسأل الله تعالى أن يكتب لك الخير، ويشرح صدرك، وييسر أمرك، إنه سميع مجيب.

اعلمي أن الزواج رزق مقسوم يأتي في الوقت الذي قدره الله لكل إنسان، وبالشخص الذي قدره أن يكون زوجا له، وليس للإنسان اختيار فيه سوى أنه يعمل بالأسباب، ومشيئة الله في النهاية هي النافذة، كما قال تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾.

كل ما يحصل في هذا الكون لا يخرج عما قدره الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾، وقال -عليه الصلاة والسلام-: قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ولما خلق الله القلم قال له: "اكتب"، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وقال -عليه الصلاة والسلام-: كل شيء بقضاء وقدر، حتى العجز والكيس، والكيس الفطنة.

قضاء الله وقدره كله خير للعبد، واختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه، والزواج مشروع عمر، وشراكة حقيقية، وليس لعبا، أو تسلية، فيجب أن تكون الأمور واضحة للغاية.

وبعد التأمل في استشارتك، ظهر لي أن المشكلة الأساسية ليست في تأخر الزواج نفسه، وإنما في غياب الوضوح بشأن مستقبل هذه الخطبة؛ فمرور سنة كاملة من الخطبة، مع استمرار التواصل، ثم اكتشافك فجأة أن الخاطب غير مستعد للزواج حاليا بسبب المال؛ أمر يبرر تساؤلك وحيرتك؛ لأن الزواج مشروع يقوم على الوضوح وتحمل المسؤولية.

وبناء على ما سبق، فيجب إعادة تقييم الخطبة، والمدة التي مرت، وهنا أوصيك بما يأتي:

أولا: لا تهملي الإشارة التي ظهرت لك الآن، ومن المهم أن تنظري إلى ما حدث بواقعية وهدوء؛ فالخاطب الذي ينوي الزواج عادة يتحدث -ولو إجمالا- عن خططه المستقبلية، وكيف سيستعد للزفاف، وما العقبات التي تواجهه.

أما أن تمر سنة كاملة دون حديث جاد عن هذه الأمور، ثم يظهر فجأة أنه غير مستعد؛ فهذا يستدعي وقفة متأنية، ولا يعني ذلك اتهامه بسوء النية؛ فقد يكون صادقا فعلا في رغبته بالزواج، لكنه لم يقدر حجم المسؤولية، أو لم يهيئ نفسه لها كما ينبغي، ويجب عليه أن يكون صادقا معك، والصدق لا يكون في المشاعر فقط، بل في بيان الواقع كما هو.

ثانيا: الفقر وحده ليس مانعا من الزواج إذا وجدت الجدية، ولا ينبغي أن يفهم من كلامي أن ضيق الحال سبب كاف لرفض الخاطب؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ۚ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾، لكن الفرق كبير بين رجل فقير يسعى، ويخطط، ويتحمل المسؤولية، وبين رجل لا يملك رؤية واضحة، أو يؤجل الأمر إلى أجل غير معلوم؛ فالمعيار ليس مقدار المال الموجود الآن فقط، وإنما وجود الجدية والقدرة على تحمل المسؤولية، والسعي في تحصيل أسبابها.

ثالثا: بما أنك لا زلت في طور الخطبة، فيجب إعادة النظر في هذا الشاب، والسؤال عنه: هل هو صاحب دين وخلق؟ وهل عنده القدرة على تحمل المسؤولية؟ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه.

فإذا كان الخاطب صاحب دين، وأمانة، وصدق، وجدية، وكانت مشكلته المالية مؤقتة ومفهومة؛ فإن هذا مما يدعو إلى التريث والنظر، أما إذا وجدت تساهلا في المسؤولية، أو غموضا دائما، أو تهربا من الإجابات الواضحة؛ فهذه أمور ينبغي أخذها بعين الاعتبار؛ لأن الحياة الزوجية لا تبنى على العاطفة وحدها.

رابعا: طول الخطبة ليس دائما في مصلحة الطرفين، ومن الأخطاء الشائعة أن تستمر الخطبة سنوات طويلة، مع كثرة التواصل دون عقد زواج؛ فالخطبة وعد بالزواج، وليست زواجا، والأصل ألا يحصل تواصل بينكما؛ لأنه رجل أجنبي بالنسبة لك، وكلما طالت المدة ازداد التعلق النفسي، وازدادت الحساسية، والمشكلات، والآمال المعلقة؛ ولهذا كان من هدي الشريعة تيسير الزواج، وعدم إطالة أسبابه؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإن كانت هناك حاجة حقيقية للتأجيل، فلتكن بمدة معلومة، وخطة واضحة، لا بمجرد انتظار مفتوح.

خامسا: لا تبقي نفسك معلقة، ومن حقك الشرعي والعقلي أن تعرفي جوابا واضحا عن سؤال محدد، وهو: متى تتوقع أن تصبح مستعدا للزواج؟ فإن قال: أحتاج ستة أشهر، أو سنة مثلا، وذكر أسبابا واقعية، وخطة عملية، فهذا يمكن دراسته.

أما إن كانت الإجابات من قبيل: "عندما تتحسن الظروف"، أو "عندما يفتح الله"، أو "لا أدري متى"، فهذه ليست خطة يمكن بناء مستقبل عليها، وهنا يجب إعادة النظر في هذه الخطبة، وأن تصلي صلاة الاستخارة، وأن تدعي ربك أن يختار لك ما فيه الخير، كما ورد في الحديث، ثم يبدأ بالخطوة الآتية في سادسا.

سادسا: اجعلي وليك طرفا في الحوار، ولا تبقي هذه القضية بينك وبينه فقط؛ فوليك أقدر على السؤال المباشر، وأبعد عن تأثير العاطفة، وأقرب إلى معرفة حقيقة الأمور، وقد شرع الله الولاية في النكاح؛ لحفظ المصالح، ودفع المفاسد، فليكن هناك لقاء واضح بين الأسرتين، أو تواصل جاد لمعرفة حقيقة الوضع، وتحديد أفق زمني مناسب.

سابعا: لا تتخذي قرارك بسبب ضغط الناس؛ فكثرة أسئلة الأقارب والصديقات مؤلمة بلا شك، لكنها ليست سببا كافيا للاستمرار، ولا سببا كافيا للانسحاب؛ فالذي سيعيش نتائج القرار في النهاية هو أنت، لا الناس، وعليك أن تبني قرارك على المعطيات الحقيقية، لا على الضغط والحرج الاجتماعي.

أسأل الله تعالى أن يختار لك ما فيه الخير، وأن يرزقك الزوج الصالح الذي يسعدك في هذه الحياة، وأن يكون عونا لك على دينك ودنياك، آمين.

مواد ذات صلة

الاستشارات