أحس أني مكبل بسبب العادة السرية .. فما نصيحتكم لي؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السؤال: هل حالتي والتي أنا فيها ابتلاء لي في الدنيا، أم بسبب ذنبي، أم الاثنين معا؟

أنا شاب تبدأ قصتي منذ كنت صغيرا، من سن الرابعة حتى سن التاسعة كان والداي يعملان في الخارج، ويعودان إلى البلد في فترة الصيف فقط لفترة قصيرة، وعشت هذه الفترة مع عماتي اللاتي كن دائما يشغلن موسيقى هابطة خاصة بالحب والغرام، كذلك كن دائما يشغلن قنوات الغناء والأفلام الهابطة، فكانت الشهوة عندي عالية جدا منذ الصغر، لكني لم أكن أمارس العادة السرية أو أشاهد الإباحية، ولم أكن أصلا أعرفها، وكنت لا أعرف من الدين شيئا، إلى أن عاد والداي للعيش نهائيا في بلدي وعلماني أساسيات الدين كالصلاة والقرآن، وكنت محافظا على صلاتي إلى سن الثامنة عشرة، حتى جرني أصحاب السوء لمصاحبة البنات دون زنا، وعرفوني على المواقع الإباحية.

فكنت في تلك الفترة أشاهد فقط، وبعدها أصبحت أمارس العادة وبقيت على هذه العادة سنين طويلة (13 سنة)، وكانت صلاتي متقطعة جدا، خاصة فترة الجامعة وما فيها من فتن.

صدقوني، أكثر شيء دعوت الله به أن يشفيني من هذا الذنب في الصلاة وقيام الليل، وتحريت جميع أوقات استجابة الدعاء، وتصدقت بنية الشفاء من هذا الذنب، وحذفت مواقع التواصل الاجتماعي، وأغض بصري، لكن الغريب أن الله استجاب لي كثيرا في أشياء أخرى دعوت بها وتحققت، إلا هذا الذنب.

أنا على يقين تام 100% أن الله غفور رحيم ويغفر الذنوب جميعها، لكن هذا الذنب حقيقة في السنين الأخيرة أقعدني، هذه سنتي السادسة بدون عمل، أعرف ماذا يجب علي أن أفعل لأجد عملا، لكني أحس بأنني مكبل تكبيلا لا أستطيع الحركة وفعل ما ينبغي أن أفعله، وكأن شيئا يدفعني دفعا أو يقهرني لفعل هذا الذنب، لا أقدر أن أصبر عليه لمدة تزيد عن 3 أيام، أكثر مدة صبرتها كانت أسبوعين كنت أقول فيها تاج الذكر 1000 مرة في اليوم، وفي الأيام التي لا أفعل فيها الذنب تأتيني كوابيس جنسية لا تنتهي، مع أني أقرأ آية الكرسي قبل النوم، وأذكار الصباح والمساء.

الحمد لله، مع هذا ربي يسر لي مالا يأتيني يكفيني لسد حاجاتي الأساسية، وفي هذه الفترة أيضا تعلمت كثيرا من الأشياء التي أجهلها عن الدين.

أرجو أن تدعوا لي بأن يشفيني الله ويرزقني، ويهب لي مالا ورزقا وفضلا من عنده، إنه هو الشافي الوهاب الرزاق.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيك وثبت قلبك على دينه؛ هذه الرسالة الجميلة تبين لنا أن شباب هذا الزمان لا يزال فيهم الخير الكثير، وأن الحق باق لا محالة، فبمثلك يصلح حال الأمة.

فتذكر -أخي- أنه لا بد للإنسان أن يبتلى؛ قال تعالى: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾، وقال تعالى: ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة).

فلنبدأ من بداية قصتك فنقول لك: لا تلتفت إلى الماضي البعيد وتثقل كاهلك بحمله على ظهرك إلى الآن والتأسف على طفولتك؛ نحن لا ننكر أن التربية في الصغر كالنقش على الحجر، وأن والديك وعماتك مسؤولون عما فعلوا، وتذكر ذلك سيكون له فائدة عظيمة عندما ترزق بأبناء وبنات -جعلهم الله من الصالحين البارين-، ولكن لا تحمل هما يمنعك من التعافي؛ الآن -الحمد لله- قد هداك الله وعلمك، فاحمد الله واتجه لمستقبلك.

ثم ذكرت أنك التزمت إلى أن دخلت حياتك رفقة السوء فجروك إلى وحلهم، ولكن الله بفضله عليك ورحمته بك حماك من الزنا، فأكثر من حمده سبحانه وتعالى على ذلك، ثم تقطعت صلاتك ثلاث عشرة سنة، وهذه كانت المصيبة الأعظم -أخي الكريم- وليست العادة السرية، وبفضل الله سبحانه وتعالى وكرمه ورحمته بك أنقذك من ذلك الضلال ورجعت إلى ما زرعه والداك فيك، فلا تنس حمد الله على هذه النعمة العظيمة، وهنا وصلنا إلى حاضرك الآن، وهذا هو الأهم.

أنت شاب محافظ على صلاتك، متمسك بالدعاء والالتجاء إلى الله، وتسعى في طلب العلم الشرعي، وغاض للبصر؛ وكأي إنسان لا بد وأن تكون لك ذنوب، ولكن هيهات أن يسوى بين المذنب النادم المستغفر المستشعر عظمة ذنبه، وبين المصر اللامبالي؛ فلذلك يجب عليك أن تحمد الله أن من عليك بنعمة استشعار الذنب واستمرار التوبة، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"، وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه تبارك وتعالى قال: "أذنب عبد ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء" متفق عليه.

ومن فوائد استعظام الذنوب أيضا احتقار النفس، وعدم التكبر والاغترار بالطاعات؛ فربما ابتليت بهذا الذنب لتبقى في عين نفسك العبد المذنب، فلا يتمكن الشيطان من الدخول إليك من باب الكبر والإعجاب بالطاعات والغرور بالصلاح، فكم من الناس اغتروا بأعمالهم فأحبطت!

ومن فوائد الذنوب أيضا أنها باب لك للطاعات التي ذكرتها؛ فمن أجل هذا الذنب أكثرت من الدعاء -وهو لب العبادة-، ولجأت إلى الله في قيام الليل، وأطلت السجود تدعو، وتحريت ساعات الاستجابة، وتصدقت، وسعيت للعلم الشرعي، وغضضت البصر، وحافظت على الأذكار، وتركت مواقع التواصل الاجتماعي؛ فكم جمعت من الأجور العظيمة بسبب علمك بعظمة الذنب وعظمة الله، وخوفك منه، ورجائك مغفرته ورحمته بك!

أما ما نوصيك به لترك هذا الذنب فهو الآتي:

- الاستمرار في كل ما ذكرت من المحاولات، وخصوصا الدعاء والتضرع إلى الله، واستشعار عظمة الله، والتحصن بأذكار الصباح والمساء.

- الانشغال طوال الوقت، فلا تترك لنفسك فرصة للفراغ أو الملل أو البقاء وحدك؛ اشغل نفسك طوال الوقت، فالفراغ هو مدخل الشيطان، وكما بينت أنك تركت العمل من أجل هذا الذنب، رغم أن هذا لا يتعلق بذاك؛ فالشيطان أقعدك عن العمل لتتفرغ له وينفرد بك، ولكي يبعدك عن الزواج، فارجع إلى الوظيفة في أسرع وقت ممكن، فقد ذكرت أنه بإمكانك إيجاد عمل، فلا تتباطأ، ولا تربط الوظيفة بالذنب، فليس لهذا أي علاقة.

- تزوج ولا تتأخر، فالزواج بركة وخير، وإشغال للوقت، وتحصين للفرج، وسكن للنفس، وباب رزق عظيم لا يمكن حصر فوائده.

- عن رسول الله ﷺ قال: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها)؛ كلما عدت لهذا الذنب فأكثر بعده بشتى أنواع الحسنات، ولا تستحقرن من المعروف شيئا أبدا، ودع الشيطان يحترق في غيظه أن من الله عليك بكثرة الحسنات بعد الوقوع في الذنب.

أما عن سؤالك: هل هذا ابتلاء أم بسبب الذنوب؟ فتذكر قوله تعالى: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾؛ فاعلم أنه لا يصيب ابن آدم شيء إلا بذنوبه، وهو في الوقت نفسه رفعة لدرجاته، والابتلاء يتحول لنعمة إذا صبر المؤمن عليه وجعله مفتاحا للجوء إلى الله، وإيقاظ النفس من الغفلة؛ قال رسول الله ﷺ: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم.

نسأل الله تعالى أن يسعد قلبك، ويفرج همك، ويزوجك بمن تعينك على طاعته، ويرزقك ذرية صالحة هنية، وأن يجمعك بأحبابك في الفردوس الأعلى.

مواد ذات صلة

الاستشارات