والدي مريض وكلما راجعنا طبيبًا اختلف تشخيصه، فهل هو سحر؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أظن أن أبي -لا قدر الله- به حسد أو سحر، فقد قرأت الأعراض ورأيت أن عنده منها، وأنا لم أسأله مباشرة، ولكن هو يتعب كثيرا، وكلما ذهب إلى طبيب اختلف رأيه، ومنهم من لا يعلم ما به أصلا، وهو كل يوم في نفس الميعاد يتعب كثيرا، وكثيرا ما أسمعه يتأوه ويتشنج.

ولما سألت أمي عنه أخبرتني أنها نوبات صداع، وكثيرا ما يكون الجو لطيفا ويشعر هو بالحر الشديد، وعندها يغضب بشدة ويلطم، وفي مرة أغضبته كثيرا للأسف وكان يتقافز، وقد ارتديت النقاب رغما عنه، وأراه هزيلا ويرجع كثيرا -أكرمك الله- إذا أكل أكثر، ولكن أعلم أنه قد أجرى عملية جراحية لاستئصال جزء من المعدة، ولعل هذا هو السبب.

شككنا كثيرا بوجود شيء، خصوصا أننا نسكن في أرياف، وهذه النوبة تأتيه كل يوم في نفس الميعاد قبل ذهابه لعمله، وعندما طلب مني اليوم كوب ماء أثناء نوبة تعبه، قرأت عليه سورة الفلق، وأيضا أثناء انتظاري له ليقوم ويقاوم، تعوذت له بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة، ولاحظت أن التشنج ازداد، وكان يحك يده، فخفت صراحة وتوقفت، وقلت: إن كان به شيء فالمتخصص أولى به.

وعندما شرب الماء شرب شربتين فقط بصعوبة، ومن بعدها ذهبت أنا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جنات حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختنا الكريمة- في موقعك إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، ومن الله أستمد العون:

أولا: فضل بر الوالدين والحرص على شفائهم:
أسأل الله تعالى أن يشفي والدك، وأن يقر عينك بصحته، وأن يجزيك خيرا على حرصك من أجل أن يشفى والدك، وذلك من البر به، والذي تؤجرين عليه، ومن المهم جدا أن يكون حرصك على صحة والدك مصحوبا بالعلم والاتزان، حتى لا تقعي في الجزم بأمور لا دليل عليها.

ثانيا: التريث في الحكم على الأعراض المرضية وتجنب الظنون:
لا ينبغي الجزم بأن والدك مصاب بسحر أو حسد، والأعراض التي ذكرتها مثل الصداع والتشنجات والشعور بالحر والغضب والهزال والقيء قد يكون لها أسباب عضوية أو عصبية أو نفسية.

كما قد يكون بعضها من آثار العملية الجراحية التي أجراها، ولا يجوز شرعا الجزم بأنها بسبب السحر أو العين، بمجرد تشابهها مع أعراض يذكرها بعض الناس في المواقع أو المقاطع المرئية، وقد أرشدنا الله تعالى إلى التثبت وعدم اتباع الظن فقال سبحانه: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا}، فوجود أعراض مشتركة لا يكفي للحكم بوجود السحر أو العين، لأن كثيرا من الأمراض تتشابه أعراضها.

ثالثا: حقيقة السحر والعين في نصوص الكتاب والسنة:
السحر والعين حق، لكن لا يجوز التوسع في تفسير كل مرض بهما، فقد قال الله تعالى عن السحر: {واتبعوا ما تتلو الشياطين علىٰ ملك سليمان وما كفر سليمان ولٰكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ۚ ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ۚ ولبئس ما شروا به أنفسهم ۚ لو كانوا يعلمون}.

وأثبت الله تعالى الإصابة بالعين فقال: {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم}، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين.

ثبوت وجود السحر والعين لا يعني أن كل مرض أو كل عرض سببه السحر أو الحسد، بل قد يجتمع المرض العضوي مع الحاجة إلى الرقية، وقد يكون المرض عضويا محضا.

رابعا: عدم ارتباط اختلاف الأطباء أو ردود الأفعال بالمرض الروحي:
اختلاف الأطباء لا يدل على أن المرض سحر، وكون بعض الأطباء لم يعرفوا التشخيص لا يعني أن المرض روحي، فكثير من الأمراض العصبية أو المناعية أو الهرمونية أو النادرة، تحتاج إلى فحوصات دقيقة أو مراجعة أطباء متخصصين، وقد قال النبي ﷺ: تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم.

ولذلك فالمطلوب شرعا الجمع بين العلاج الطبي والأخذ بالأسباب الشرعية، وزيادة التشنج عند قراءتك ليست بالضرورة دليلا على وجود السحر، بل قد تكون لأسباب نفسية أو عصبية، ولهذا لا يعتمد على مثل هذه العلامات وحدها في التشخيص.

خامسا: مشروعية الرقية الشرعية والأدعية المأثورة:
ما فعلته من قراءة القرآن على الماء مشروع، وكذلك تعويذ والدك، وأنت مأجورة عليه إن شاء الله، وقد كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين -رضي الله عنهما- فيقول: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة، وكان ﷺ إذا اشتكى يقرأ على نفسه: {قل هو الله أحد}، و{قل أعوذ برب الفلق}، و{قل أعوذ برب الناس}.

سادسا: خطوات عملية ومهمة للأخذ بالأسباب الشرعية والطبية:
• مراجعة طبيب مختص بالأعصاب أو الباطنية إذا لم يتم ذلك من قبل، مع إحضار التقارير السابقة.
• المحافظة على الصلوات والأذكار.
• المواظبة على أذكار اليوم والليلة في أوقاتها.
• قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، وخواتيم البقرة، والمعوذات.
• الإكثار من الدعاء والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ.
• الرقية الشرعية بالقرآن والأدعية الصحيحة، مع تجنب الدجالين والمشعوذين ومن يطلب الطلاسم أو الأموال أو غير ذلك.

سابعا: التحذير من الوساوس ومكائد الشيطان:
من خلال استشارتك يظهر أنك شديدة الملاحظة والتأثر، وهذا قد يجعلك تربطين كل عرض بالسحر أو الحسد، فاحذري من الوسوسة، وقد قال تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين}، فكوني مطمئنة وأحسني الظن بالله، واعلمي أن الضر والنفع بيده وحده، وأن السحر لا يؤثر إلا بإذنه سبحانه: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله}.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفي والدك شفاء لا يغادر سقما، وأن يجزيك خير الجزاء على برك به وحرصك عليه، وأن يجعل ما أصابه رفعة لدرجاته وتكفيرا لسيئاته، ونسعد بتواصلك معنا في حال استجد أي جديد.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات