السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا أحفظ القرآن حاليا مع مدرسة إلكترونية، وهم مشددون في البرنامج، أي لا يوجد تأخير في الحفظ، لدي ربع في الأسبوع، وسرد حصيلة بمقدار نصف المحفوظ لكل أسبوع، وكل شهرين نمتحن في المحفوظ كاملا، ومرة في العام نسرد المحفوظ كاملا.
أصبحت أشعر بضغط رهيب، بحكم أنني ربة بيت، وأسكن مع أهل زوجي، ففي الفترة الصباحية أخدمهم، وأطبخ، وأنظف، وأقوم بكل الأعمال المنزلية، ولدي ولد عمره عامان، وحاليا زوجي توقف عن العمل لظروف وأسباب، وأنا خياطة أريد أن أمارس الخياطة لإعالته، لكنني لم أستطع.
في الفترة المسائية أتفرغ للقرآن، فلا أجد وقتا للخياطة، وللعلم أنا محتاجة للمصاريف، فهل أتوقف وأخرج من هذه المدرسة، أم ماذا أفعل؟ أريد إجابة ترضيني، فقد خفت أن أخرج ولا يوفقني الله في الخياطة، كأنها عقوبة لي، وأنا في حيرة تامة!
أرجو إجابة دقيقة، والله إنني في ضغط كبير من كل النواحي!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هاجر .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك لتواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
لقد فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تحملين على كتفيك، في هذه المرحلة، أعباء متعددة في وقت واحد؛ فأنت حافظة مجتهدة في مدرسة تحفيظ، ملتزمة بخطة مكثفة لا تحتمل التأخير، وفي الوقت نفسه، أنت ربة بيت تخدمين أهل زوجك صباحا بالطبخ، والتنظيف، وشؤون المنزل، وأم لطفل في الثانية من عمره، يحتاج جهدا ومتابعة، وزوجة لرجل توقف عن العمل لظروف خارجة عن إرادته، فأصبحت تفكرين في العودة إلى مهنة الخياطة؛ لإعانته على تدبير أمور الأسرة، ومع كل هذا الزحام، لم يعد لديك وقت تتفرغين فيه لا للمراجعة المطلوبة، ولا للخياطة التي تحتاجينها، فوقعت في حيرة: هل تنسحبين من المدرسة أم تستمرين؟ ويزيد الأمر ثقلا عليك، خوف داخلي من أن يكون تركك للحفظ سببا في حرمانك من التوفيق في رزقك.
فاعلمي، أختي، أن هذا الشعور بالضغط من كل الجهات أمر مفهوم تماما، ولا غرابة أن تشعري بالإرهاق وأنت تحملين مسؤوليات أربعة أطراف في آن واحد.
أول ما ينبغي أن يطمئن قلبك إليه، هو أن الله عز وجل لا يكلف عبدا فوق طاقته، ولا يعاقبه على ترك أمر فاضل حين يعجز عنه لعذر حقيقي، يقول تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}؛ فهذه الآية وحدها كفيلة بأن تزيح عنك وسوسة أن تخفيف حفظك، أو تعديل خطتك، سيكون عقوبة تمنع عنك التوفيق في الخياطة؛ فالرزق بيد الله وحده، وسببه التقوى، والتوكل عليه، وبذل الأسباب المشروعة، وليس عقابا مرتبطا بتنظيم جدول دراسي، ولو كان الأمر كذلك، لكان كل من خفف نصابا من الطاعة، بسبب مرض أو ظرف قاهر، محروما من الرزق، وهذا خلاف ما نعلمه من رحمة الله وعدله.
ثم تأملي معي، إن حفظ القرآن فضيلة عظيمة، جاء الترغيب فيها في قول النبي ﷺ: خيركم من تعلم القرآن وعلمه رواه البخاري، لكنها مع عظمتها، ليست فرضا يستوجب أن تسحقي نفسك تحت وطأته حتى تعجزي عن حق زوجك، وابنك، وبيتك؛ فالدين يسر لا عسر، وقد قال ﷺ: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه رواه البخاري، وهذا يعني أن من يحمل نفسه فوق طاقتها في الطاعة، قد ينتهي به الحال إلى الانقطاع الكامل، بينما القليل الدائم المطمئن، خير من الكثير المرهق المضطرب، وفي هذا قال عليه الصلاة والسلام: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل متفق عليه.
من الناحية العملية: لست مضطرة لأن يكون قرارك إما الاستمرار الكامل بنفس الوتيرة المشددة، وإما الخروج الكامل من المدرسة، بل هناك مساحة واسعة بين الأمرين؛ فحاولي أن تتواصلي مع إدارة المدرسة، وتشرحي ظرفك الأسري الطارئ؛ فكثير من هذه المدارس تتفهم الظروف الاستثنائية، وتسمح بتخفيف النصاب الأسبوعي، أو تعديل خطة السرد لفترة مؤقتة، حتى يستقر وضع زوجك، وهذا خيار وسط يحفظ لك تواصلك مع القرآن، دون أن يستنزف الوقت الذي تحتاجينه للخياطة.
وإن لم يتوفر هذا الخيار، فلا حرج عليك أبدا أن تأخذي إجازة، أو توقفا مؤقتا بنية العودة متى تيسر أمرك؛ فهذا ليس تفريطا، وإنما ترتيب أولويات في وقت الضرورة، وإعانة زوجك، وسد حاجة بيتك في هذا الظرف، من أعظم القربات؛ فأنت حين تخيطين لتساهمي في نفقة أسرتك، تكونين قد جمعت بين مساعدة الزوج، وصلة الرحم بالإنفاق على البيت، وبين حسن التدبير الذي أمر به الشرع.
أما عن توزيع وقتك، فقد يكون من المفيد أن تجلسي مع زوجك، وتتشاوروا معا في كيفية إعادة ترتيب اليوم؛ فربما يمكن أن يتحمل بعض أفراد بيت أهله، جزءا من الأعمال المنزلية في هذه المرحلة الحرجة، أو يخصص لك وقتا محددا بعد الظهر، مخصصا فقط للخياطة دون مقاطعة، وأن يكون الحفظ بمقدار أقل يناسب طاقتك الحالية، ريثما يتحسن وضع زوجك ماديا، وتستطيعين لاحقا أن تعودي بكامل قوتك للنصاب الأصلي؛ فالحياة مراحل، ولكل مرحلة ما يناسبها من الجهد، ولا يعني تخفيف الحفظ اليوم أنك ستبقين كذلك دائما.
أنت في كل هذا لست وحدك، فاستعيني بالله، واصدقيه في اللجوء إليه في صلاتك، وفي سجودك، أن ييسر لك أمرك، ويجمع لك بين خير الدنيا والآخرة، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في وصف الصبر على تقلبات الأحوال:
اصبر قليلا فبعد العسر تيسير ... وكل أمر له وقت وتدبير
فثقي أن الله الذي يسر لك حفظ ما حفظت من كتابه، هو نفسه القادر أن ييسر لك الرزق من حيث لا تحتسبين، وأن قرار التوقف المؤقت، أو تخفيف النصاب، ليس خيانة لله، ولا سببا لغضبه، بل هو فقه لواقعك، وحسن تدبير أثابك الله عليه.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.