كيف أتعامل مع أهلي وهم يتهمونني بالتشدد في الدين؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بعد الانتهاء من الجامعة هداني الله لطلب العلم الشرعي، و-الحمد لله- أصبحت أتحرى الحلال والحرام في كل تعاملاتي حتى لا أغضب الله، أتابع الآن في برنامج زاد وبرنامج البناء المنهجي، وأحفظ القرآن، لكن عندما أحاول الحديث مع أهلي بأن -مثلا- بعض الأشياء المنتشرة والمتعارف عليها حرام، يقولون عني متشددة.

وحتى وقت قريب، كنت أتحدث مع والدتي بأن الأفراح المنتشرة حرام، وهناك شخص سيتقدم لخطبتي، وأنني سأقول له من أول جلسة عن شرطي للفرح، بأنني أريده بدون اختلاط أو موسيقى، ولا بأس عندي إن كان بلا حفل زفاف، فقالت لي: "أنت أصبحت متشددة، والطريق الذي تسيرين فيه لن تكون عاقبته جيدة؛ فإما أن تصلي إلى الإلحاد، وإما أن تكوني من المتشددين جدا"، وأضافت أنها أصبحت هي وإخوتي يخافون التحدث معي في أي شيء، خوفا من ردة فعلي، وأنا كنت مصدومة وجالسة أبتسم، ولا أعلم ماذا أقول لها أو كيف أفهمها، وهي تفهم أي أمر أقوله بشكل خاطئ!

أخشى أن أكون حقا سائرة في طريق خاطئ وأنني متشددة بالفعل، وأكون سببا في نفور الناس عن الدين وعني، رغم أنني لا أتشاجر معهم؛ أي أنني أذكر لهم الحكم الشرعي فحسب ثم أبتعد عنهم؛ لأنني لو تناقشت معهم قد يرتفع صوتي أو أغضب، فلذلك أحاول الابتعاد، وهم يرون أنني أحرم كل شيء، وأنني كئيبة، رغم أنني حاولت إفهامهم بأنني سعيدة هكذا، وأنني لو فعلت ما يريدونه فسأعيش في هم وغم وضيق من داخلي، لكنهم لا يستوعبون ذلك، ويرون السعادة بالمعيار المنتشر حولنا.

أنا أخشى عليهم أيضا؛ لأنهم لا يحاولون فهم الدين، بل يعيشون كأغلب الناس وفق الأعراف، وعندما حدث هذا الموقف مع والدتي دخلت غرفتي، وظللت طوال الليل أبكي ولا أعرف ماذا أفعل، وقد عزت علي نفسي، وخائفة أن أتزوج شخصا بعيدا عن الدين، أو دينه بسيط يكتفي بصلوات الفريضة وصيام رمضان؛ لأنني كبرت في السن والمفروض أن أوافق، ولكن نفسي تتوق لشخص ذي دين يحفظ القرآن ويعمل به، وتكون مرجعيته الكتاب والسنة، لا أن يفعل كما يفعل الناس فحسب.

أعتذر عن الإطالة، ولكن هل أنا مخطئة في سيري وفي تعاملاتي؟ أحيانا أقول: "ليتني لم أدخل هذا الطريق"، ولكن لا، الحمد والشكر لله الذي هداني لهذا الطريق، بيد أن الناس متعبون جدا، وأعتذر مجددا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ خلود حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

بداية، هنيئا لك نعمة الاستقامة، وطلب العلم، والحرص على معرفة الحلال والحرام؛ فهذا طريق الخير والهداية الذي أراده الله تعالى لعباده، قال تعالى: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ۚ كذٰلك زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)، وقال أيضا: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

أختي الكريمة، ما تتحدثين عنه من معاناة أمر طبيعي يمر به كثير ممن من الله عليهم بالاستقامة والالتزام، وهذه المرحلة تحتاج إلى وعي وفقه في كيفية التعامل معها، ولتحقيق ذلك ننصحك بما يلي:

أولا: الابتلاء والصبر والمجاهدة سنة ماضية من سنن الله في عباده، وقد قال تعالى: ﴿أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون﴾، فكل إنسان يبتلى في نفسه أو أهله أو ماله؛ ليمحص الله إيمانه، ويرفع درجته، ويكفر سيئاته.

وقد سأل سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟)، فقال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه، إلا كفر الله به من سيئاته)، فكل هم أو تعب مع الصبر والاحتساب رفعة في الدرجات، وتكفير للسيئات، وزيادة في الإيمان.

وعليه، فإن وجود المشقة، والمنكرات التي تؤلم القلب، والمخالفات التي تحتاج إلى حكمة في التعامل معها، كلها أمور طبيعية في حياة المسلم المستقيم والداعية إلى الله، ولن يخلو منها زمان، فالناس متفاوتون، ولكل إنسان الأسلوب المناسب في دعوته.

ثانيا: اللين والرفق لا يعنيان التنازل عن الحق، هناك فرق بين اللين والرفق والتدرج، وبين التنازل عن الدين وترك الحق، فالشرع أمرنا بالرفق والإحسان، ونهانا عن الغلظة والشدة، حتى مع المخالفين، فكيف بالمسلمين الذين عندهم بعض التقصير؟ قال تعالى مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم...﴾، وقال سبحانه: ﴿ادع إلىٰ سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ والحكمة تشمل التدرج، والرفق، والصبر، مع العلم والفقه، واختيار الوقت والأسلوب المناسبين، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه).

لذلك ننصحك في التعامل مع أهلك بما يلي:
- التدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم المواجهة المباشرة أو الشدة التي قد تولد النفور؛ فالناس اعتادوا نمطا معينا من الحياة، وتغييرهم يحتاج إلى وقت وصبر.

- ابدئي بنفسك، واجعلي أخلاقك وسلوكك دعوة صامتة؛ فحسن الخلق، ولين الكلام، والإحسان إلى الناس من أعظم مفاتيح القلوب.

- راعي مراتب تغيير المنكر؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، فإذا عجز الإنسان عن مرتبة انتقل إلى التي بعدها، وإنكار القلب لا يعني الرضا بالمنكر، وإنما كراهته مع استمرار النصح.

- إذا عجزت عن إزالة المنكر، فاجتهدي في تقليله والتخفيف من آثاره، فهذه قاعدة مهمة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ثالثا: الدعوة الصامتة، من أنجح وسائل الدعوة أن يرى الناس أثر التدين في أخلاقك، وصبرك، وبرك، وتواضعك، وإحسانك؛ فإذا أحبك الناس كانوا أقرب إلى قبول نصحك.

رابعا: اندفاع البدايات، من الطبيعي أن يكون الإنسان في بداية الاستقامة شديد الحماس، فيرغب في تغيير كل ما حوله بسرعة، وقد يؤدي ذلك إلى اصطدامه بأسرته أو مجتمعه، لكن مع طلب العلم، وفهم منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- والسلف الصالح، يزداد الإنسان حكمة، ويحل الرفق والتدرج محل الاندفاع.

خامسا: الحكمة والرفق والتدرج لا تعني التنازل عن الدين أو الوقوع في الحرام، إرضاء للناس، وإنما تعني معرفة مراتب المنكرات، ومراعاة المصالح والمفاسد، قال تعالى: ﴿قل هٰذه سبيلي أدعو إلى الله علىٰ بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، فالبصيرة تمنع الإنسان من أن يفسد وهو يظن أنه يصلح.

سادسا: فقه الأولويات، من الحكمة أن تبدئي بالأصول قبل الفروع، فتعتني أولا بتعظيم التوحيد، والتحذير من الشرك، ثم بالفرائض والواجبات، ثم بما دونها من المخالفات، كما ينبغي بناء علاقة محبة مع الناس، وتعريفهم بالله تعالى؛ فمن عرف الله وأحبه عظم أوامره واجتنب نواهيه.

سابعا: الحوار والبيان لا التشنيع والاحتقار، النفوس تميل إلى الرفق، والعقول تقبل الحوار الهادئ، أما إذا تحول النصح إلى زجر أو احتقار، فإن النفوس تنفر، وقد قص القرآن نماذج من حوارات الأنبياء، وكان الرفق أساس دعوتهم، حتى مع أشد الناس طغيانا، قال تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام-: ﴿فقولا له قولا لينا﴾، فإذا كان هذا مع فرعون، فمن باب أولى مع المسلمين.

ثامنا: الحرص على مفاتيح القلوب، احرصي على معرفة ما يؤثر في قلوب الناس؛ فلكل إنسان مفتاح، فقد يكون بالكلمة الطيبة، أو الهدية، أو الثناء، أو حسن الاستماع، أو الاهتمام به، فهذه الوسائل تقرب القلوب وتفتح أبواب القبول.

تاسعا: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هذه قاعدة عظيمة؛ فإذا أمرك الوالدان بمعصية، فلا يعني ذلك الغلظة أو الإساءة إليهما، بل يبقى البر والإحسان واللين واجبا، مع الامتناع عن المعصية؛ ليظهر أثر الاستقامة في أخلاقك قبل أقوالك.

عاشرا: التوازن في الدعوة، لا تعني الدعوة إلى الله أن تعتزلي الناس أو تقطعي علاقاتك الاجتماعية، إلا إذا اقتضت مصلحة مؤقتة ذلك، كالتفرغ لطلب العلم، بل الأصل أن يعيش الداعية مع الناس، ويصبر على أذاهم، وينصحهم بما يستطيع، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)، والمخالطة المقصودة هي المخالطة مع المحافظة على الاستقامة، والدعوة بالحكمة، لا مجاراة الناس في معاصيهم.

أختي الفاضلة، إن مصادمة الناس بتحريم أمور نشؤوا عليها، وأصبحت جزءا من عاداتهم ليست من الحكمة، وإنما الحكمة أن تتدرجي معهم في تعظيم أمر الله، وتعريفهم بحكمته، ثم بيان الأحكام شيئا فشيئا، وقد تدرج القرآن الكريم في بعض الأحكام، كما وقع في تحريم الخمر؛ لما كانت متجذرة في المجتمع آنذاك.

وأنت -بحمد الله- على خير عظيم في حرصك على طاعة الله، لكن لا تفصلي بين الاستقامة وبين الرفق والإحسان إلى أهلك؛ فكلاهما من الدين، ومما أمر الله به، واعلمي أن النتائج لا تأتي بين ليلة وضحاها، وإنما تحتاج إلى صبر، وتدرج، وحكمة، وحسن معاملة.

أما فيما يتعلق بالزواج، فلا تدخلي مع أسرتك في مواجهة مباشرة بقولك: "هذا حرام"، وإنما قولي: "توجد بعض المخالفات الشرعية"، ثم بينيها برفق، ويمكن أن تستعيني بشيخ أو طالب علم له مكانة عندهم ليبين لهم الحكم الشرعي.

واحرصي عند اختيار الزوج على صاحب الدين والخلق، ولا تبالغي في الشروط، فيكفي أن يكون محافظا على الفرائض، حسن الخلق، محبا للدين، قابلا للنصح؛ فهذا أدعى إلى أن تتعاونا بعد الزواج على الطاعة والترقي في الإيمان.

وأخيرا، أكثري من الدعاء، فإن الداعية إلى الله أحوج الناس إلى صدق اللجوء إلى الله، وسؤاله الثبات والهداية، وقوة الصلة به سبحانه؛ حتى لا يجد الشيطان إلى قلبك سبيلا، فيوقع فيه اليأس أو الحزن أو القنوط، وكما قلت: "أحيانا أقول: ليتني لم أدخل هذا الطريق"، فهذا من أثر ما تلقينه من معاناة مع أهلك والمجتمع، ومن محاولة الشيطان استغلال لحظات الضعف.

نسأل الله تعالى أن يثبتك على الحق، ويرزقك الحكمة في الدعوة، ويصلح أهلك، ويشرح صدورهم للهدى، وييسر لك أمرك كله، ويجعلك مباركة أينما كنت.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات