السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة أبلغ من العمر 23 عاما، والعلاقات المحرمة هي أحب الذنوب إلي، وأنا لم أدخل فيها -ولله الحمد-، ولكن كل يوم هو عذاب بالنسبة لي بسبب عدم الارتباط، خصوصا أنه لم يتقدم لي أحد أصلا، ومعظم بنات جيلي يتزوجن عبر ما يسمى بعلاقات الحب وما شابه ذلك، حتى إن معظم الفتيات اللاتي أعرفهن، واللاتي لم يدخلن في علاقات، لم يتزوجن أيضا مثلي، وأما أغلبهن -إن لم يكن كل من أعرفهن- ممن دخلن في هذه العلاقات فقد تزوجن بالفعل.
وأنا فتاة محرومة من حنان الأب، رغم أنه حي ولم أره منذ سنوات، فالجفاف العاطفي لدي شديد، حتى إنني ذهبت إلى طبيب نفسي، فشخص حالتي بالقلق الشديد، وعندما أتحدث مع الذكاء الاصطناعي أجد أنه شخص حالتي بالوسواس القهري في موضوع الزواج، وأنني أفكر في هذا الأمر أربعا وعشرين ساعة يوميا منذ سنوات.
أريد مقالة طويلة تكتب ما هو الأجر الذي أتحصله من كل المعاناة التي أعانيها حتى لا أدخل في العلاقات؟ فلو كان الانتحار حلالا لكنت قتلت نفسي من زمن بعيد!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ... حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يفرج همك، ويكشف كربك، وأن يربط على قلبك ويثبتك على طاعته وعفته، وأن يعوض صبرك وجهادك لنفسك خيرا عظيما في الدنيا والآخرة، كما نسأله سبحانه أن يملأ قلبك بالسكينة والرضا، وأن يرزقك الزوج الصالح والذرية الطيبة التي تقر بها عينك، وتعوضك عن كل ما فقدت من حنان وأمان في أقرب وقت؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
قبل أي شيء آخر، أنا متوقف عند جملة كتبتها في نهاية رسالتك، ولا أستطيع أن أتجاوزها لأكتب عن أي موضوع آخر قبل أن أتحدث معك فيها بصراحة، أنت قلت إنه لو كان الانتحار حلالا لكنت فعلته منذ زمن.
هذه ليست كلمة عادية تقال وتنسى، هذه صرخة ألم حقيقية، وأنا آخذها على محمل الجد التام، حياتك أمانة عظيمة عند الله، وأنت بحاجة الآن، وبشكل عاجل، إلى أن تتحدثي مع شخص قريب منك تثقين به، أو مع مختص نفسي يمكنه أن يكون معك بشكل مباشر ومستمر، وليس فقط عبر رسالة مكتوبة، إن كان لديك خط مساعدة نفسية أو طوارئ في بلدك، أو طبيبة نفسية تتابعين معها، أرجو أن تتواصلي معها اليوم وتخبريها بالضبط بما كتبته لي، أنت تستحقين أن يسمع هذا الألم من إنسان يستطيع أن يكون بجانبك، لا من نافذة محادثة فقط.
والآن، دعيني أتحدث معك في صلب ما كتبته.
ما تعيشينه ليس وسواسا فارغا ولا ضعفا في الإيمان، بل هو ثمرة جراح متراكمة، أنت كبرت وأبوك حي لكنه غائب، وهذا نوع من الفقد أصعب أحيانا من فقد الموت نفسه؛ لأن القلب يظل يسأل لماذا، ولا يجد جوابا، ثم جاء الزمن وحوله من حولك يبني علاقات محرمة طريقا للزواج، وأنت ثبت على ما يرضي الله، فإذا بك تشعرين وكأن استقامتك هي التي حرمتك، بينما من خالف أمر الله تيسر له ما تمنيته، هذا التناقض مؤلم جدا، وأفهم تماما لماذا يهز إيمانك ويستهلك طاقتك النفسية يوما بعد يوم.
لكن اسمحي لي أن أضع أمامك حقيقة قرآنية لا تتغير مهما بدت الدنيا معكوسة: قال الله عز وجل: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون ۚ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42].
الذين دخلوا في علاقات محرمة ووصلوا إلى الزواج، لم يكسبوا شيئا في ميزان الآخرة بهذا الطريق، حتى لو بدا أنهم كسبوا في الدنيا عاجلا، وأنت التي قاومت كل يوم، وكل لحظة وحدة، وكل مقارنة مؤلمة مع صديقاتك، لك عند الله أجر لا يضيع، قال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10].
ليست هذه كلمة تقال للتخفيف فقط، بل هي وعد إلهي بأن صبرك هذا، الذي تشعرين أنه عذاب يومي بلا فائدة، مكتوب ومحفوظ ومضاعف بطريقة لا تستطيع عقولنا أن تتخيل مقدارها.
أما عن إحساسك بالحرمان العاطفي من جهة الأب، فهذا جرح يحتاج أن يعترف به لا أن يتم تجاوزه، الإنسان يولد ومعه حاجة فطرية لحنان الأب، فإذا غاب هذا الحنان، يبقى القلب يبحث عنه في كل مكان، وأحيانا يتحول هذا البحث إلى تعلق شديد بفكرة الزواج، وكأن الزواج سيعوض كل ما فات، هذا أمر إنساني مفهوم تماما، لكنه يحتاج علاجا مباشرا، لا أن يترك ليكبر بصمت سنة بعد سنة، وأنت بالفعل خطوت خطوة شجاعة حين ذهبت لطبيب نفسي، وهذه ليست نقطة ضعف في حياتك بل نقطة قوة، فلا تتوقفي عند تشخيص واحد أو زيارة واحدة، بل اجعلي المتابعة النفسية مسارا مستمرا، فالقلق الذي وصف لك لا يعالج برسالة ولا بمقالة، بل بمتابعة حقيقية مع متخصص يعرف قصتك بالتفصيل.
أختي الكريمة، التفكير المستمر في الزواج طوال اليوم لسنوات، حتى لو لم يكن تشخيصه الدقيق وسواسا قهريا بالمعنى الإكلينيكي، فهو إنهاك حقيقي يستحق أن يعالج؛ لأن استمرار التفكير في أمر مؤلم دون توقف يتعب القلب والجسد معا قبل أن يتعب العقل، ومن الأمور التي قد تعينك -بإذن الله- أن تجعلي لتفكيرك في الزواج وقتا محدودا تسمحين فيه لنفسك بالتفكير والدعاء، ثم تنشغلين بعده بما يفيدك، من عمل أو تعلم أو عبادة، حتى لا يستبد بك الفكر طوال اليوم، واحرصي على أن تطلبي الزواج بالطرق المشروعة المتاحة لك، كأن يعلم أهلك ومعارفك الثقات برغبتك، فهذا ليس عيبا بل هو السنة، فقد كانت خديجة رضي الله عنها هي من بادرت بطلب الزواج من النبي ﷺ عبر وسيط، فلا حرج عليك أن تسعي بالأسباب المباحة.
وأخيرا، لا بد أن أذكرك بأن الحزن الشديد المستمر، وتمني الموت، والشعور بأن لا فائدة من الاستمرار، كلها إشارات تستحق عناية فورية من مختص، وليست أمورا تحل بمقالة مهما كانت كلماتها مؤثرة، أرجو منك وعدا صادقا أن تتحدثي اليوم مع شخص تثقين به، أو تتصلي بخط مساعدة نفسي إن وجد في بلدك، فأنت أغلى من أن تتركي وحدك مع هذا الألم.
نسأل الله أن يرفع عنك الهم والغم، وأن يعوضك خيرا عما حرمت منه، وأن ييسر لك زوجا صالحا يكون لك سكنا وطمأنينة، وأن يشرح صدرك ويثبت قلبك، إنه سميع مجيب.