أفتقد حنان أبي بعد وفاته وأمي تعاملني بقسوة، فماذا أفعل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرجاء الإجابة عن سؤالي؛ لأنني في حيرة شديدة.

أنا فتاة في عمر 15 سنة، توفي أبي وأنا في سن 14 سنة، وكانت حياتي قبل وفاته مليئة بالعاطفة والحب، وكان أبي هو من يحتضنني ويعطيني الحب، أما أمي فكانت دائمة الصراخ، وأبي كان من يدافع عني، ولكن بعد وفاته عانيت من اكتئاب شديد تجاوزته -بفضل الله-، وتلاوة القرآن.

وإضافة إلى ذلك، فإن أمي وعدتني أنها ستصبح هادئة وتصبر علينا، وهذا دام سنة، ومع نهاية السنة صارت أمي عصبية، وعادت لما كانت عليه، وأنا لا أتجرأ أن أتكلم لكي لا أكون عاقة، وأكتفي بالبكاء في الغرفة، وصارت هذه عادتي قبل النوم؛ فكل ليلة أبكي قبل نومي، وأستيقظ على صراخ أمي ومعاتبتها.

وأنا خائفة أن أعود لحالة الاكتئاب، ولكن أمي تصف ما أنا عليه بأنه دلال، وأن المسلم يجب أن يكون قويا، ولما أحتضنها تبتعد عني وتقول إن والدي -رحمه الله- دللني كثيرا، وهذا جعلها تعاني، فما الحل معها؟ لأنني خائفة من الانفعال، وأن أصبح عاقة، وخائفة أن يعود لي الاكتئاب، فهل أكلمها كنصيحة؟

وبارك الله فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ آمنة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

بداية، نسأل الله تعالى أن يتغمد والدك بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهمكم الصبر والسلوان على فراقه.

ابنتي الفاضلة، من الطبيعي جدا أن تشعري بألم الفراق لمن كان مصدرا للاحتواء والحنان بالنسبة لك، ولا سيما عندما لا تجدين من يعوضك هذا الحنان والاحتواء والاهتمام ممن يفترض فيه ذلك.

وعليك بالصبر والرضا بقضاء الله وقدره؛ ليكتب الله لك الأجر والثواب، قال الله تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ۗ وبشر الصابرين ۝ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ۝ أولٰئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ۖ وأولٰئك هم المهتدون﴾، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)، فمع الصبر واحتساب الأجر يرزق الله العبد الثبات والرضا، وتوقن النفس أن هذا هو حال الدنيا، وأن الموت حق لا مفر منه، فكل إنسان سيرحل عنها عاجلا أو آجلا، ومع هذا الوعي يتحقق قدر من الاستقرار النفسي في مواجهة المصائب والشدائد.

ابنتي الفاضلة، في تعاملك مع والدتك تحتاجين إلى حسن إدارة المواقف، والتعامل معها بحكمة وصبر، وحتى نساعدك على ذلك نضع بين يديك بعض النصائح المهمة:

أولا: تذكري أن والدتك أيضا فقدت زوجها ورفيق عمرها، وتحملت أعباء إخوتك، وأعباء المنزل، والتربية والعناية بكم، فقد يكون هذا الانفعال ناتجا عن ضغوط الحياة التي لا تعلمينها، أو بسبب ما تعانيه بصمت من هموم وقلق وخوف عليكم، فإذا أدركت هذا الأمر أصبحت نظرتك إلى والدتك أكثر رحمة وتفهما، وكان ذلك أدعى لتخفيف أثر انفعالها على نفسك، وإن لم يكن مبررا له.

ثانيا: من أفضل وسائل التعامل مع الصراخ ألا يقابل بالصراخ، بل بالهدوء، وضبط النفس، وعدم الرد حال الغضب؛ لأن الصراخ غالبا تعبير عن شدة الانفعال، فإذا هدأ الغضب زال كثير منه، ولذلك فقد أحسنت في التزام الصمت، وعدم مقابلة والدتك برفع الصوت أو مجاراتها في الانفعال.

ثالثا: استغلي أوقات الصفاء والهدوء بينكما، فلا شك أن هناك لحظات تكون فيها الأجواء أكثر هدوءا، فحاولي أن تستثمريها في حوار صريح وهادئ، بعيدا عن توجيه الاتهامات أو إلقاء اللوم والعتاب، وإنما اشرحي لها أثر كلماتها وصراخها في نفسيتك، وفي شعورك بالأمان، وفي حياتك عموما، فقد يكون عدم إدراكها لحجم هذا الأثر سببا في استمرار هذه التصرفات في كثير من الأحيان.

رابعا: يمكن كذلك أن يتدخل أحد أقاربك، كخالك أو خالتك أو قريب تثقين بحكمته، ليتحدث مع والدتك برفق، ويبين لها ما تعانينه بسبب كثرة الصراخ والنقد المستمر، وما يتركه ذلك من أثر في نفسيتك ودراستك، وخشيتك من العودة إلى الاكتئاب.

خامسا: صحتك النفسية مهمة جدا، وبقاؤك داخل دائرة التوتر والصراخ والمشكلات يزيد الأمر صعوبة، كما أن انشغالك الدائم بذكرى والدك، والمقارنة المستمرة بين حياتك معه وواقعك الحالي، يزيد من مشاعر الحزن والأسى، والأفضل أن تحاولي الخروج من دائرة القلق والتوتر بممارسة أعمال تحبينها، وتشعرك بالإنجاز والعطاء، وتشغل وقتك بما ينفعك، وتخفف من استغراقك في التفكير بالمشكلة، فالنسيان في بعض جوانبه نعمة ورحمة من الله؛ ليتمكن الإنسان من مواصلة حياته بعد فقد من يحب، لذلك حاولي أن تبحثي عن بيئة تعينك على الانشغال بما يرتقي بعقلك وروحك، كحلقات تحفيظ القرآن الكريم، أو طلب العلم الشرعي، أو اكتساب مهارة نافعة، أو ممارسة عمل تطوعي، فكل ذلك يعين على الخروج من دائرة التوتر والقلق المستمر.

ابنتي الفاضلة، إن خوفك من عقوق والدتك دليل خير في قلبك، وحرصك على عدم الرد عليها يدل على طيب نفسك وحسن تربيتك، فاحرصي على الاستمرار على ذلك، وطاعة الوالدين من أعظم القربات، ما لم تكن في معصية الله تعالى، والحرص على رضا والدتك عبادة تؤجرين عليها، فاستمري في هذا الخير، واجتهدي في إصلاح علاقتك بها من خلال الإحسان إليها، وتجنب ما يغضبها قدر الإمكان، والابتعاد عما يزيد من انفعالها، وفي الوقت نفسه ابحثي عما يسعدها ويدخل السرور إلى قلبها، كإهدائها هدية، أو الثناء على تعبها وجهدها، وإظهار التقدير لما تبذله من أجل الأسرة، ولا سيما بعد وفاة زوجها.

أخيرا، ابنتي الفاضلة، اجتهدي في الدعاء والتضرع إلى الله تعالى أن يذهب همك وحزنك، وأن يصلح والدتك، وبادري إلى المحافظة على الصلوات في أوقاتها، وتلاوة القرآن الكريم، والانشغال بكل ما يرتقي بروحك ونفسك ومهاراتك، فذلك من أعظم ما يعين على مواجهة هذا الواقع، وأيقني أن الله سبحانه لا يعجزه شيء، وأنه قادر على أن يلين قلب والدتك ويصلح حالها بالدعاء والصبر، مع الاستمرار في بذل الأسباب للإصلاح.

كما ننصحك أن تنظري إلى الحياة نظرة متوازنة، ففيها الخير والشر، واليسر والعسر، وليست دائما كما نحب ونشتهي، فلا بد فيها من صعاب ومحن وشدائد، ومن صبر واحتسب الأجر عند الله كان من الفائزين.

وفقك الله، ويسر أمرك.

مواد ذات صلة

الاستشارات