السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تزوجت منذ 7 أشهر، من رجل لديه وظيفة جيدة، ومسكن مستقل، علاوة على أنه قضى فترة في الخارج، تزوجته على أمل أن يكون مثقفا، وأن يكون وضعه المادي جيدا.
في بداية زواجنا، وبعد شهر واحد، اكتشفت أني حامل، ولكن فترة وحامي كانت أصعب فترة؛ لأني اكتشفت بالصدفة أن زوجي يتعاطى الحشيش، فكانت صدمة كالصاعقة لي، ومع ذلك، أخبرت أهله فقط، ولم أطلع أهلي على الأمر بتاتا.
وبعد فترة، ولأنه يعلم أني أخاف كثيرا من القطط، قام بإدخال قطة لتعيش معي في المنزل، ووقتها تعبت كثيرا نفسيا، واشتكيت لأهله، وبعد فترة منعني من إيصال أي خبر عن منزلنا لأهله مطلقا.
وفي هذه الأيام، صحيح أنه لم يعد يتعاطى الحشيش، ولكني خائفة من أن يعود إليه؛ لأنه اعترف لي أنه كان مواظبا على شربه عندما كان في الخارج، وفوق ذلك، عندما أذهب إلى بيت أهلي يقوم بإدخال القطط، وعندما أعود أتعب كثيرا في التنظيف.
حاليا أعاني من أنه شحيح جدا في الإنفاق على المنزل، لدرجة أنه تمر الأيام ولا يوجد في المنزل أي لقمة للأكل، وإذا تصادف وكان لدينا قليل من الطعام الفائض، فإنه يأخذه لصديقه وعائلته.
تحدثت معه فقال: إنها صدقة، فقلت له: تكون الصدقة عندما توفر كل شيء لأهل بيتك أولا، وإذا أخبرت أهله فمن المحتمل أن تكبر المشكلة كثيرا؛ لأنه منعني من ذلك تماما.
في إحدى المرات وجدت دواء له، وعندما بحثت عن اسم الدواء، تبين لي أنه مخصص لمرضى فصام الشخصية، وأهله لم يخبروني بأنه مريض، بل أخفوا عني هذا الأمر، وأنا ساكتة حتى الآن، وعندما يرونني أشك في الأمر، يقولون لي: إنه علاج للقولون، بينما ابنهم يفضل شراء "القات" على توفير الاحتياجات الأساسية، ولا أعرف كيف أتصرف!
أشعر بأني مضغوطة، وفي الوقت نفسه مصدومة، ولكنه من ناحية مصروف البيت فهو مقصر لأبعد حد، وعندما أكلمه يقول لي: لا أريدك أن تعتادي على توفير كل شيء؛ فاليوم يوجد طعام، وغدا لا يوجد، كما وقد رجع في الفترة الأخيرة لا يذهب إلى عمله، بل يقضيه في النوم.
أرجو منكم النصيحة، أعزكم الله.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ... حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في شبكة إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله:
قرأت استشارتك بتمعن، فوجدت أن مشكلتك ليست مشكلة واحدة، بل مجموعة من القضايا المتراكمة، وهي: صدمة اكتشاف تعاطي الزوج للحشيش سابقا، والتقصير في النفقة، والانشغال بالقات، وترك العمل أحيانا، والقلق من وجود أمر صحي أو نفسي لم تتضح حقيقته، مع ما يصاحب الحمل من تعب جسدي ونفسي، ومن الطبيعي أن تشعري بالضغط والصدمة في ظل هذه الظروف.
أول ما ينبغي أن تعلميه: أن الزوجة لا تطالب بالصبر على الضرر مع السكوت المطلق، كما أنها لا تطالب بالتعجل في اتخاذ قرارات مصيرية قبل استنفاد وسائل الإصلاح؛ والشرع يجمع بين الصبر، والحكمة، والأخذ بالأسباب.
ما يتعلق بتعاطي الحشيش: فهو منكر عظيم، ومحرم شرعا؛ لما فيه من إفساد العقل والدين والدنيا، فإذا كان زوجك قد تركه فعلا وتاب منه، فهذه نعمة ينبغي أن تشجع وتدعم؛ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، لكن من الحكمة أن تكون التوبة مصحوبة بتغير عملي ظاهر، واستقامة في السلوك، وابتعاد عن رفقة السوء، وأسباب الانتكاس.
ومن أوضح الحقوق الواجبة على الزوج: النفقة؛ قال الله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، ومن مقتضى القوامة القيام بحاجات الأسرة الأساسية، وقال سبحانه: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾، وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت.
إذا كانت تمر أيام -كما ذكرت في استشارتك- لا يوجد فيها طعام كاف في البيت، مع قدرة الزوج على الكسب، أو وجود راتب عنده، فهذا تقصير لا ينبغي السكوت عنه، ولا يبرر بكون المال يذهب إلى الأصدقاء أو غيرهم؛ لأن نفقة الزوجة والولد مقدمة على صدقات التطوع؛ لما رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك....
ترك العمل والنوم المستمر يستحق الوقوف عنده؛ لأن الرجل الذي كان مستقرا في عمله، ثم بدأ يتغيب، أو يهمل مسؤولياته قد يكون وراء ذلك أسباب متعددة: ضغوط نفسية، أو عودة لعادات سيئة، أو مشكلات صحية، أو غير ذلك؛ ولذلك لا ينبغي تجاهل هذا التغير.
بالنسبة للدواء الذي رأيته: لا يصح الجزم بأنه دليل على إصابته بالفصام أو بغيره من الأمراض النفسية؛ لأن كثيرا من الأدوية لها استعمالات متعددة، لكن إذا كانت هناك أعراض غير طبيعية واضحة، أو تاريخ مرضي أخفته الأسرة عمدا قبل الزواج، فهذه مسألة تحتاج إلى معرفة الحقيقة فيها بهدوء وحكمة، لا إلى الظنون والتخمينات.
من الجانب النفسي، فإن الحمل يجعل المرأة أكثر حساسية للضغوط والمخاوف، واستمرار القلق والتوتر الشديدين قد يؤثران سلبا في صحتها، واستقرارها النفسي؛ لذلك لا تهملي نفسك وأنت تحاولين إصلاح زوجك؛ فواجبك تجاه نفسك وطفلك لا يقل أهمية عن واجبك تجاه الأسرة.
ودونك خطة عملية، لعل الله أن ينفع بها:
أولا: اجلسي مع زوجك جلسة هادئة وصريحة، وركزي على الوقائع لا على الاتهامات، واطلبي منه إجابات واضحة عن النفقة، والعمل، ومستقبل الأسرة.
ثانيا: اتفقي معه على توفير الاحتياجات الأساسية للبيت بصورة منتظمة، وأن تكون الأولوية للطعام، والعلاج، ومتطلبات المولود القادم.
ثالثا: راقبي خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة الأفعال لا الأقوال؛ فالإصلاح الحقيقي يظهر في انتظام العمل، وتحسن النفقة، والابتعاد عن رفقاء السوء، وتحمل المسؤولية.
رابعا: إذا استمر التقصير، أو ازداد، أو ظهر ما يدعو إلى القلق الجاد بشأن التعاطي، أو الصحة النفسية، أو تضييع الحقوق، فلا تحملي الأمر وحدك، بل استعيني بأهل الحكمة والعدل من الأسرتين؛ تطبيقا لقوله تعالى: ﴿فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها﴾.
خامسا: لا تسمحي لأحد أن يقنعك بأن المطالبة بالنفقة والحقوق الأساسية نوع من الأنانية، أو قلة الصبر؛ فهذه حقوق جعلها الله لك ولولدك.
سادسا: نوصيك بالاستقامة على دين الله تعالى، وأداء الصلاة في أوقاتها، وكذلك زوجك؛ فالصلاة نور، وتنهى عن الفحشاء والمنكر.
سابعا: تضرعي بالدعاء بين يدي الله تعالى، مع تحين أوقات الاستجابة؛ كأثناء السجود، وما بين الأذان والإقامة، والثلث الأخير من الليل، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وسلي الله تعالى أن يصلح زوجك، ويبصره بعيوبه، ويرزقه التوبة والاستقامة.
ثامنا: أكثري من الاستغفار، ومن الصلاة على النبي ﷺ؛ فذلك من أسباب تفريج الهموم، وتنفيس الكروب، ففي الحديث: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب، وقال لمن قال له أجعل لك صلاتي كلها: إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك.
تاسعا: أكثري من دعاء الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم.
عاشرا: أكثري من دعاء ذي النون؛ فقد ورد في الحديث: دعوة ذي النون؛ إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجاب له.
الحادي عشر: اهتمي بإصلاح زوجك من الناحية الدينية؛ فذلك مفتاح استقامته -بإذن الله تعالى-، ولا تنسي عدم إهمال خدمته، والقيام بحقوقه.
الثاني عشر: اجتهدي في إبعاده عن القات قدر المستطاع، ولو بالتدريج؛ فإن من نتائج الإدمان كثرة الخمول، والكسل، والنوم الذي بدوره يحجزه عن القيام بواجباته، ومنها العمل.
الثالث عشر: استمرار التقصير في النفقة، والانشغال بما لا ينفع، وترك العمل، كل هذه الأمور تحتاج إلى معالجة عاجلة؛ فهي أساس المشكلة القائمة.
الرابع عشر: اجمعي بين الصبر والحزم، وبين حسن المعاشرة والمطالبة بالحق، واستعيني بالله تعالى، وراقبي الواقع خلال الفترة القادمة؛ فإن ظهر صدق الإصلاح فاحمدي الله، وإن استمر الضرر فاستعيني بأهل الحكمة والإصلاح قبل أن تتفاقم المشكلة.
أسأل الله تعالى أن يصلح زوجك، ويوفقه لتحمل مسؤولياته، وأن يقر عينك بصلاحه، ويرزقكما الحياة الطيبة المطمئنة والذرية الصالحة، ونسعد بتواصلك في حال استجد أي جديد.