السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب مقبل على الزواج، ولي شقة في نفس البيت الذي يعيش فيه والدي ووالدتي، وكنت أنوي الزواج فيها، لكني أفكر في البحث عن شقة أخرى؛ لأن والدي للأسف بعيد عن الدين، بل ومتأثر بالفكر الإلحادي، ويعرض أفكارا غريبة، وهذا ما أخاف منه على المدى البعيد في تربية أولادي؛ لأنني أريد تنشئتهم على الدين الصحيح، وللأسف فإن والدي يتدخل برأيه في كل شيء، ويهاجم بشكل صعب كل من يعترض عليه أو يناقشه، ويحقر رأيه ويسفهه.
وأما أنا فمعاملتي له كما قال الله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾، ولا أناقشه في شيء من أمور الدين؛ لأنني لا أجد إلا التقريع والسب، كلما رددت على أمر عرضه للنقاش.
ولذلك أخاف أن يتكلم بهذا الكلام أمام أولادي عندما يرزقني الله إياهم، إن شاء الله؛ لأنه عندما نكون في سكن واحد سيكون تعرض الأطفال لجدهم بشكل كبير.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لك في زواجك، وأن يؤلف بين قلبك وقلب والديك، وأن يحفظ عليك دينك، وأن يرزقك ذرية صالحة تكون قرة عين لك في الدنيا والآخرة.
وبعد: فإننا نحب أولا أن نثني على ما ظهر في رسالتك من حرصك على الجمع بين أمرين عظيمين: بر الوالد، والمحافظة على دين أسرتك، وهذا هو الميزان الذي ينبغي أن يسعى إليه المؤمن، فلا يضيع حق والديه بحجة حماية أولاده، ولا يضيع دين أولاده بحجة بر والديه.
وقبل أن نجيبك نقول: إن ما سيأتي بيانه يكون حالا عندما ترزق الأولاد ويكونون في موضع التأثر والفهم، ويكون الوالد في موضع الاعتقاد السلبي والتأثير، أما الآن فالأمر مختلف؛ فقد فهمنا أنك بعد لم تتزوج.
فإن رزقك الله الأولاد فاعلم أن والدك -حفظه الله وهداه- إذا كان يطرح أفكارا تخالف الإسلام أو يشكك في ثوابته، فإن من حقك، بل من واجبك، أن تحتاط لدين أولادك، فإن حفظ الدين مقدم على كل مصلحة دنيوية؛ قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}، وقال النبي ﷺ: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته.
ولكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن يبنى القرار على الخوف المجرد أو التوقعات، وإنما على تقدير المصالح والمفاسد؛ فإن كان والدك لا يكتفي باعتقاد هذه الأفكار، بل يكثر من طرحها، ويجعلها موضوعا متكررا في المجالس، ولا يقبل أن يكف عن الحديث عنها أمام الأطفال، أو يغلب على ظنك أن وجود أولادك معه بصورة يومية سيؤثر في عقيدتهم، فإن البحث عن مسكن مستقل يكون حينئذ تصرفا حكيما، لا عقوقا للوالد، ولا إساءة إليه، بل هو من القيام بالأمانة التي حملك الله إياها.
أما إذا كان يمكن الجمع بين الأمرين؛ بأن تكون قريبا من والديك مع وجود قدر كاف من الاستقلال، بحيث تقل المخالطة اليومية، وتستطيع أن تضبط ما يسمعه أولادك، فقد يكون ذلك أولى؛ لأنه يجمع بين بر الوالدين والمحافظة على الأسرة.
ولعلنا نلفت انتباهك إلى قضية مهمة، وهي أن المشكلة ليست في مجرد السكن في البيت نفسه، وإنما في مقدار التأثير الحقيقي، فكم من جد صالح لم يستطع أن يغرس الدين في أحفاده؛ لأن الوالدين قصرا في تربيتهم، وكم من جد بعيد عن الدين لم يؤثر في أحفاده؛ لأن الوالدين أحسنا بناء شخصياتهم، وربطوهم بالقرآن، والعلم، والصحبة الصالحة، فلا تجعل اعتمادك كله على البعد المكاني، بل اجعل أكبر اعتمادك على التربية الإيمانية داخل بيتك.
ومن الحكمة أيضا ألا تجعل موضوع انتقالك إلى مسكن مستقل -إن حدث- معركة مع والدك، أو وسيلة لإشعاره بأنك تهرب منه أو تحتقره، بل إن احتجت إلى ذلك، فليكن بهدوء، مع دوام الزيارة، والإحسان، وقضاء الحاجات، والبر؛ حتى يعلم أن استقلال السكن لا يعني استقلال القلوب.
كما نحب أن نلفت انتباهك إلى أمر مهم، وهو أن انشغالك بحماية أولادك مستقبلا أمر محمود، لكن لا ينبغي أن يصرفك عن واجب آخر، وهو بذل السبب في هداية والدك؛ فما دام باب الحياة مفتوحا، فباب الهداية مفتوح، وكم من أناس كانوا بعيدين عن الله، ثم شرح الله صدورهم في آخر أعمارهم، لكن هذه المهمة تحتاج إلى حكمة وصبر، لا إلى مناظرات وجدال؛ لأن من كانت الشبهة قد استقرت في قلبه، قد لا يغيره كسب المناظرة، وإنما قد يغيره حسن الخلق، وطول الصحبة، وصدق الدعاء.
ولهذا ننصحك بما يلي:
• أكثر من الدعاء له في أوقات الإجابة، فإن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء، ولا تيأس من هدايته مهما طال الزمن.
• أحسن بره والإحسان إليه، فإن القلوب مجبولة على محبة من أحسن إليها، وقد يكون حسن خلقك أعظم تأثيرا من كثير من الكلمات.
• لا تجعل كل لقاء معه ساحة نقاش، فإن كثرة الجدل قد تزيده تمسكا بما هو عليه، وقد قال الله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}.
• ابحث عن المدخل الذي يقبله؛ فبعض الناس يتأثر بقصة، وبعضهم بموقف، وبعضهم بكتاب، وبعضهم بمحاضرة، وبعضهم بشخص يحترمه، فليس كل الناس يفتح لهم الباب نفسه.
• إذا وجدت من العلماء، أو الدعاة، أو العقلاء من يحسن مخاطبة أمثال والدك، وكانت بينه وبين والدك فرصة لقاء أو حديث عفوي، فذلك قد يكون أنفع من مجادلته بنفسك.
• اجعل في البيت ما يسمع من القرآن، أو المواعظ، أو البرامج النافعة، من غير تكلف ولا إظهار قصد التأثير عليه، فرب كلمة سمعها في وقت صفاء كانت سببا في هدايته.
• لا تستعجل الثمرة، فإن هداية القلوب بيد الله، وقد دعا نوح -عليه السلام- قومه تسعمائة وخمسين عاما، ولم يكن مكلفا بالنتائج، وإنما كان مكلفا بالبلاغ.
واعلم أن من أعظم البر بوالدك أن تحرص على نجاته في الآخرة، فلا تيأس منه، ولا تقنط من رحمة الله له، بل اجمع بين أمرين: أن تحمي دين أسرتك، وأن تبذل ما تستطيع في هدايته، فإن الله هو القادر أن يجمع لك الخيرين جميعا، والله الموفق.