هل أبادر بالزواج أم أنتظر حتى تتحسن أموري المادية؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاكم الله خيرا على هذا العمل الذي تنفعون به الأمة، وأسأل الله تعالى أن يتقبل منكم.

أنا شاب في الخامسة والعشرين من عمري، أدرس في آخر سنة لي، و-إن شاء الله- بعد شهر سوف أكمل دراستي وأتخرج.

لدي رغبة في الزواج، وهنالك فتاة محددة في بالي من معارف العائلة، والحمد لله أنها ملتزمة؛ حيث إنها ترتدي النقاب، وأختها وأمها كذلك، وأبوها شيخ يدرس في مختلف الأماكن، أسأل الله أن يثبتهم، لكنني متردد في هذا الأمر.

وعندما نظرت للواقع وجدت إمكانية للزواج ببداية يسيرة؛ سوف يكون السكن مع أهلي في الجزء العلوي من المنزل، ومن المنافع غير المباشرة التي أراها لهذا الزواج أن أكون قدوة لإخوتي الأصغر مني حتى تعلو همتهم، وأن لا يبحثوا في العلاقات غير الشرعية، وأن يكون توجههم سليما منذ البداية -إن شاء الله-.

ورغم كل هذه المنافع التي أراها، لا زال لدي خوف لا أعرف سببه، وتراودني أفكار مثل: هل فعلا الزواج أنسب فكرة حاليا؟ أم أنه علي أن أصبر قليلا وأن أجتهد حتى يصبح وضعي المالي أفضل؛ حتى أتزوج في وضع مستقر ومريح؟ ودوما ما أرى أن الراحة المادية لا تأتي بعد الزواج، وأن ما بعد الزواج مسؤوليات وكدح فقط، وأرى الأمر خيارين منفصلين: إما التعب والاجتهاد والوصول للراحة المادية، أو السعي للزواج وإتمامه بوضع بسيط ولا أدري ماذا سوف يحدث بعدها.

ورغم أنني لا أفضل الخيار الأول وهو تأجيل الزواج، لكن للراحة المادية أثر في الزواج والاستقرار؛ لذا أقوم بصد فكرة الزواج، لكنها تعود مرة أخرى بسبب ما أجده في نفسي من حاجة للزواج من أنس وسكن وعفة، ويدور كل هذا التناقض في رأسي كثيرا، فما هي توجيهاتكم لي؟

وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حسن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

جزاكم الله خيرا على حسن ظنكم، ونسأله تعالى أن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة الإسلام والمسلمين.

وفقك الله في دراستك، وأعانك على العمل الذي ينفعك في دنياك وآخرتك، ويسر لك أمر الزواج ممن تعينك على طاعته، ورزقكم الذرية الصالحة.

أخي الكريم: لقد حثت الشريعة الإسلامية على تعجيل الزواج وتيسيره بعد البلوغ لمن استطاع إليه سبيلا؛ وذلك لما فيه من صيانة للدين، وحفظ للمجتمع، قال تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم﴾ [النور: 32]، ففي الآية وعد إلهي صريح بأن الفقر ليس مانعا من الزواج، بل إن الزواج من أسباب الغنى والبركة، وهو ما فهمه الصحابة الكرام؛ فقد ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: "ابتغوا الغنى في النكاح"، حيث كان يحث على ابتغاء الرزق بالزواج.

وبما أنك قد بلغت من العمر 25 عاما فلم تعد صغيرا، ومثلك يحتاج للزواج بدون تأخير، خاصة أن لديك مكانا للسكن واخترت زوجة صالحة من بيت ملتزم، فلا نرى إلا أن الشيطان يحاول إبعادك عن الخير، فقد ورد في المثل: (في كل تأخير خيرة إلا الزواج والثمرة).

فترددك البسيط أو قلقك -إن صح التعبير- الذي يأتي مع الإقدام على أمر جديد، كالزواج، أو وظيفة جديدة، أو غيرهما، هو أمر طبيعي وفطري، ولا يعني أنك يجب أن تتراجع عن ذلك، بل يعني أنك واع ومدرك للمسؤولية التي تحملها على عاتقك.

والفتيات الملتزمات -يا أخي الكريم- نادرات، واللاتي تجدهن ملتزمات وملتزم أهلهن أقل وأندر؛ فلا تفرط في هذه الفرصة الذهبية من أجل ترددات لا مبرر لها، ووساوس شيطانية تريد منعك من الحلال والتعفف.

وأما ابتداء الزواج بإمكانية يسيرة فهو الأصل في الحياة، فالبدايات دائما تكون من الصفر، وتأخير الزواج والاستعفاف من أجل تجميع ثروة مالية عكس الصواب، فالبركة كل البركة في الزواج، وقد ذكر عن بعض الصحابة قولهم: "التمسوا الغنى في النكاح"، أو "عجبت لمن ابتغى الغنى في غير النكاح"، فالزواج يجلب الرزق والبركة والاستقرار النفسي الذي يعينك على السعي والعمل، فالزواج ليس مانعا لكسب المال، بل على العكس هو وسيلة مادية ومعنوية له.

وأما رغبتك في أن تكون قدوة لإخوانك فهذا زيادة في الخير والأجر، بارك الله لك وأصلح نواياك، فالإنسان ربما يقوم بعمل واحد ويستحضر فيه عدة نوايا فيؤجر على كل نية ينويها؛ فتنوي بزواجك العفاف والغنى، واختيار أم صالحة لأولادك، وإعفافها، وإسعاد أهلك وأهلها، وأن تكون قدوة لإخوانك وغيرك من الشباب في سنك، وأن تنشئ أسرة صالحة، ودحضا للشيطان وإغلاقا لباب شركه وألاعيبه.

وأما قولك إن الراحة المادية والزواج خياران منفصلان، فهذا عكس ما أرشدنا إليه ديننا الحنيف كما بينا سابقا، ولكن إن افترضنا أن ذلك صحيح، فالارتياح بالزواج من امرأة تسكن إليها، أهم وأفضل من الارتياح بالاستقرار المالي، وكما قلت إن الزواج مسؤوليات وكدح، فلو أخرته لتستقر ماديا، فستزول تلك الراحة المالية سريعا حين تتزوج، لو افترضنا كما زعمت أن الزواج اختيار منفصل عنها، ولكن الحقيقة أن الزواج هو البركة والرزق، والاستقرار المادي حتما يتحقق بعد الزواج، خاصة لو تزوجت صاحبة الدين والخلق التي تسندك وتسكن إليها، وتعينك بابتسامتها وكلمتها الطيبة، وصبرها على البدايات اليسيرة.

لذا فنجيبك بكل ثقة: نعم، الزواج هو أنسب وأفضل فكرة حاليا ولا تؤخره أبدا، خصوصا أنك ذكرت احتياجك له ومعاودة الفكرة لك كلما حاولت تأجيلها.

فتوجيهنا لك أنك تعرف أن مصلحتك في الزواج، ولكن الشيطان يحاول بشتى الطرق أن يثنيك عن الحلال والخير والرزق والبركة والسكن والعفة؛ فلا تعره اهتماما، استخر ربك واستشر أهلك وتقدم لتلك الفتاة الصالحة بدون تأخير، بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، ورزقكما الذرية الصالحة التي تسعدكما وتسعد أهليكما، وجعلك قدوة صالحة لإخوانك.

وبالله التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات