السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب عمري 26 سنة، أعمل أستاذا، وأرغب في الزواج من فتاة أراها صاحبة دين وخلق.
المشكلة أن والدي يرفضان هذا الزواج؛ ومن الأسباب التي ذكراها: أنني ما زلت في بداية مشواري المهني، وأن أختي الكبرى لم تتزوج بعد، وأن الفتاة ليست من قبيلتنا، كما أن والدي يسيء الظن بالفتاة، ويقول: إنها تريد أن تفرقني عن أهلي، مع أنه لا يعرفها معرفة مباشرة، ولم يلتق بها.
أنا حريص على بر والدي، ولا أريد عقوقهما، لكنني في الوقت نفسه أرغب في الزواج والعفاف، وأخشى ضياع فرصة الزواج من هذه الفتاة.
سؤالي: ما هو الواجب علي شرعا في هذه الحالة؟ وهل يجب علي الامتناع عن الزواج بسبب رفض والدي، أم أستمر في السعي للزواج مع المحافظة على برهما، والإحسان إليهما؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ياسين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابننا الكريم-، ونشكر لك ثقتك بنا في إسلام ويب، وجوابي لك على استشارتك كالآتي:
أولا: لقد رغب الإسلام في الزواج بصور متعددة، منها:
- أنه من سنن الأنبياء، وهدي المرسلين؛ قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} [الرعد: 38]، وفي حديث أبي أيوب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: أربع من سنن المرسلين: الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح.
- وتارة يذكره في معرض الامتنان: قال تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات} [النحل: 72].
- ويتحدث عن كونه آية من آيات الله، قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ۚ إن في ذٰلك لآيات لقوم يتفكرون} [الروم: 21].
وقد يتردد الإنسان في قبول الزواج، فيحجم عنه خوفا من الاضطلاع بتكاليفه، وهروبا من احتمال أعبائه؛ فيلفت الإسلام نظره إلى أن الله سيجعل الزواج سبيلا إلى الغنى، قال تعالى: {وأنكحوا الأيامىٰ منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ۚ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ۗ والله واسع عليم} [النور: 32]، وفي حديث الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف.
- والمرأة خير كنز يضاف إلى رصيد الرجل؛ فعن أبي أمامة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ما استفاد المؤمن -بعد تقوى الله عز وجل- خيرا له من زوجة صالحة؛ إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله (رواه ابن ماجه).
والزواج عبادة يستكمل الإنسان بها نصف دينه، ويلقى بها ربه على أحسن حال من الطهر والنقاء: فعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي، وغير ذلك من المحاسن والفضائل.
ثانيا: مشكلة رفض الوالدين لزواجك؛ هذا الرفض لا يقره الشرع الحكيم، ولا سيما وأنك قد بلغت السادسة والعشرين، وصرت على مشارف الثلاثين، فليس لهما الحق في الاعتراض، وما ذكره الوالدان -حفظهما الله- من حجج فليست بصحيحة؛ فكونك في بداية المشوار المهني لا يعد ذلك مانعا من الزواج، بل إن في مثل عمرك صار عند البعض أولاد، وقد جمع الله لك في العمر، ومصدر الرزق، فأمورك كاملة.
وأما الاحتجاج بعدم تزوج أختك الكبرى فليس بصحيح؛ فبعض الأسر إنما تتحسس من تزويج البنت الصغرى قبل الكبرى، وليس من تزويج الولد الذكر، ثم إلى متى تنتظر؟ فقد يفوتك قطار العمر وأنت لم تتزوج لربط زواجك بزواج أختك!
وكذلك الاحتجاج بأن هذه الفتاة التي تريد الارتباط بها ليست من القبيلة فليس أيضا بصحيح؛ فكلنا لآدم، وآدم من تراب، وقد قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثىٰ وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ۚ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ۚ إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13]، وأما إساءة ظن الوالدين بهذه الفتاة، وأنها تريد أن تفرق بينك وبين أهلك ووالديك، فما دام أنه لم يظهر منها شيء، فهذا ظن غير صحيح، ولا شك أن اتهام المسلم بمجرد الظن إثم كبير؛ لقول الحق سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا.
ثالثا: لا حق لوالديك في منعك من الزواج، ولا يلزمك طاعتهما في ذلك؛ ما دام رفضهما لغير مسوغ، ولا سيما إذا كنت تتضرر بترك الزواج مطلقا، أو الزواج بهذه الفتاة؛ فإن طاعة الوالدين لا تجب في ما يضر الولد، وهذا هو الأصل.
رابعا: إن كنت لا تتضرر بترك هذه الفتاة، فالأولى تركها، والبحث عن غيرها ممن يرضاها أبواك؛ فإن بر الوالدين من أفضل القربات عند الله، وهما وإن كانا غير محقين في منعك من الزواج بمن ترغب، لكن لا بد أن تعلم أن بر الوالدين من آكد الواجبات، والسعي في رضاهما من أجل القربات؛ لأن في رضاهما رضا الرب، وفي سخطهما سخط الرب؛ كما في الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد.
خامسا: إن كنت راغبا في هذه الفتاة، وكانت دينة، فينبغي أن تبذل جهدا في إقناع والديك، وخاصة الأم؛ فهي أشد رفقا بك، وتأثيرها على أبيك أكثر بالموافقة على خطبتك، وذلك باتخاذ الطرق المشروعة، ومنها: ذكر ما تمتاز به هذه الفتاة من الدين، وهو أمر حث الإسلام عليه عند اختيار الزوجة، ومنها: توسيط الأعمام والإخوة، وكل من له جاه مقبول عند والديك، مع بيانهم لوالديك أنه لا يجوز لهما منعك من الزواج؛ فالزواج قربة وطاعة، وفيه عفة الرجل، وغض لبصره، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج الحديث.
ختاما: أسأل الله تعالى أن يلين لك قلب والديك، وأن يجعلهما سبب سعادتك وزواجك، آمين.