السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أريد نصيحة منكم، جزاكم الله خيرا.
أنا مقيم ببلدي، بالأرياف تحديدا، وطبيعة الناس من حولي غير ملتزمين دينيا، أو لا يعرفون من الدين إلا الشيء القليل، وأنا كشاب صغير لم يتزوج بعد، أريد أن أتزوج بزوجة تعرف دينها، وتعرف ما لها وما عليها، وتعرف كيف تربي، وتعينني على ديني ودنياي.
لهذا لفتت نظري ابنة عمتي؛ لأنني كما ذكرت، الناس عندنا غير ملتزمين، وهي من بينهم ملتزمة دينيا، وتلبس لباسا شرعيا كاملا، وهي لا تزال في عمر صغير، لهذا أعجبت بها وأحببتها.
لكن هذا الحب بقي في قلبي، ولم أخبرها، ولم أتحدث معها، وكان في نفسي أن أصبر حتى يرزقني الله وأتزوجها.
لكن بعد فترة راسلتني على أحد تطبيقات التواصل، وتحدثت معها حديثا طبيعيا، دون ذكر للمشاعر أو شيء من هذا، وشيئا فشيئا بدأ حديثنا يزداد، وأصبحنا نراسل بعضنا أكثر، حتى أصبح الأمر تقريبا يوميا، مع العلم أن أهلها تقريبا يعرفون أننا نتراسل، ولكن ليس في كل الأوقات.
ومع الحديث معها زاد حبي لها؛ لأنها تتكلم عن أمور الدين، وتعرف بدينها، وأنا شاب يعرف عني أنني ملتزم دينيا بين الناس، فقلت في نفسي: يمكن أن تكون معجبة بي لهذا السبب، وكنت ألاحظ أن حديثها معي فيه شيء من الإعجاب، فهي تمدحني ومن هذا القبيل.
وبعد فترة من حديثنا، قلت لنفسي: إنني أريدها حلالا، فلماذا أكلمها وهي لا تحل لي؟ وقررت أن أترك الحديث معها لوجه الله، عسى أن يجمعني الله بها حلالا.
وأخبرتها بذلك، ففي البداية رفضت، وقالت إنها لا تستطيع، ولكنها اقتنعت في النهاية، إلا أن توبتنا لم تستمر إلا يومين، ثم عادت تراسلني، وتبنا مرة أخرى، وعادت أيضا للتواصل معي، ونحن نعلم أن حديثنا لا يجوز، ونريد أن نتوب، ولكن بعد فترة نعود.
وخلاصة القول: إنني الآن أعلم أنها تحبني، وهي تعلم أنني أحبها، ولم نخبر بعضنا بذلك، ولكن من طريقة الحديث هذا الأمر واضح بيننا، وأنا نيتي أن أتزوجها في أقرب وقت أستطيع فيه الزواج، ولكن وضعي المادي حاليا لا يسمح بذلك، لذلك لا أزال أنتظر.
ومع العلم أنني لا أزال أتحدث معها، فانصحونا، جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حسين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك العفة والطهارة، وأن يحفظ قلبك من كل تعلق محرم، وأن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يصرف عنكما ما فيه الشر والفتنة، وبعد:
فأول ما نحب أن نقوله لك هو أننا سررنا بما ظهر من رسالتك من خوفك من الله، فإن كثيرا من الناس لا يقلقهم وقوعهم في الحرام، أما أنت فمشكلتك أنك تعلم أن هذا الطريق لا يرضي الله، وتحاول أن تخرج منه، وهذا خير عظيم نسأل الله أن يتمه عليك.
غير أننا نحب أن ننبهك إلى أمر مهم، وهو أن المشكلة ليست في كونك أحببت امرأة لتكون زوجة صالحة لك، وإنما المشكلة في الوسيلة التي تمت بها في الوقت الذي لا تستطيع فيه الزواج، ولا شك أن الذي زاد هذا التعلق استمرار المراسلات، والحديث اليومي، والمدح المتبادل، والاعتياد على وجود كل واحد منكما في حياة الآخر، وهذا هو الخطر المحدق بكما، ولهذا جاءت الشريعة بسد هذا الباب من أوله، لا لأنها تحارب الرغبة في الزواج، وإنما لأنها تحمي الطرفين من التعلق بما لا يملكه صاحبه اليوم، ولذلك حاولتما التوبة أكثر من مرة وفشلتما، وهذا وإن دل على أن الضمير لا يزال حيا إلا أن ذلك مع استمرار المراسلات لن يبقى يا أخي، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، لذا فالمطلوب منك مع التوبة أن تزيل السبب، لا أن تبق متعلقا ومتحدثا وأنت تريد النجاة!
إن الذي يضع يده في النار كل يوم، لا يكفي أن يقول: لن أضعها مرة أخرى، بل لا بد أن يبتعد عن النار نفسها، ولهذا فإن استمرار المراسلات مع وجود المحبة بينكما يجعل الرجوع متوقعا في كل مرة، مهما صدقت النية.
وأما حديثك عن أنك تعلم أنها تحبك وهي كذلك، ليس مبررا لاستمرار العلاقة، بل هو سبب يدعو إلى سرعة إغلاق هذا الباب حتى لا يزداد التعلق؛ لأن القلوب إذا تعلقت أكثر، كان الفراق بعد ذلك أشد ألما، وكانت الفتنة أعظم.
ونحب أيضا أن نذكرك بحكمة العرب: "ثبت العرش ثم انقش" فأنت ذكرت بنفسك أن وضعك المادي لا يسمح بالزواج الآن، إذا لماذا تستمر في بناء تعلق لا تملك اليوم أن تنقله إلى الطريق الشرعي؟
إن من حكمة الإنسان أن لا يفتح بابا يعلم أنه لا يستطيع إغلاقه بالحلال في الوقت الحاضر، وننصحك كذلك ألا تعتمد على أن أهلها يعلمون ببعض المراسلات، فإن علمهم لا يجعلها مباحة، كما أن حسن النية لا يغير الحكم الشرعي، وهو كما ذكرت ليسوا أهل تدين، وقد يرون أنكما إخوة وأنكما صغار، وهذا عند أهل القرى منتشر.
والذي ننصحك به هو ما يلي:
• اتفقا على قطع المراسلات قطعا تاما، لا على تقليلها؛ لأن الشرع نهى والتجربة أثبتت أن التقليل لا يصمد مع وجود التعلق.
• إذا احتجتما إلى أمر ضروري، فليكن عن طريق الأهل، أو في أضيق الحدود، وبقدر الحاجة.
• اجعل همك في هذه المرحلة إعداد نفسك للزواج؛ بالسعي في العمل، وتحسين وضعك المادي، والاستعانة بالله.
• أكثر من الدعاء أن ييسرها الله لك إن كانت خيرا لك، وأن يصرفها عنك إن كان غير ذلك، مع الرضا بما يقدره سبحانه.
• أشغل وقتك بطلب العلم، والعمل، وحفظ القرآن، حتى لا يبقى الفراغ يغذي هذا التعلق.
وأخيرا، نحب أن نقول لك كلمة قد تنفعك:
اعلم أن من أعظم ما يريح قلب المؤمن إيمانه بالقدر؛ فإن الزواج ليس ثمرة الإرادة وحدها ولا التخطيط فقط، بل هو قبل ذلك كله رزق كتبه الله لعباده قبل أن يخلقهم، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
فما قدره الله لك سيكون، ولو اجتمع أهل الأرض جميعا على أن يمنعوه، وما لم يقدره الله لك فلن تناله، ولو اجتمع أهل الأرض على أن يحققوه لك، فلا يحملنك خوف الفوات على أن تسلك طريقا لا يرضي الله، فإن الذي كتب الأرزاق هو الذي كتب الأزواج، والذي ساق إليك رزقك سيأتيك بما قسمه لك في الوقت الذي اختاره بحكمته.
ومن أعظم ما يعين على الرضا أن الإنسان لا يعلم الغيب، فكم من أمر تمناه صاحبه، وظن أن الخير كله فيه، ثم مضت السنوات، فإذا به يحمد الله أن ذلك الأمر لم يقع، وكم من أمر كرهه، وضاق صدره به، ثم تبين له بعد حين أن الخير كله كان فيه، ولهذا قال سبحانه: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.
فليس المطلوب منك أن تضمن النتيجة، وإنما المطلوب أن تسلك الطريق الذي يرضي الله، ثم ترضى بما يختاره لك، فإن اختيار الله لعبده خير من اختيار العبد لنفسه، وإن خفيت عليه الحكمة في أول الأمر، ومن ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه.
نسأل الله أن يعفك بحلاله عن حرامه، وأن ييسر لك أسباب الخير، والله الموفق.