السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أود أن أتعلم كيف أتقرب إلى الله أكثر، وكيف أجعل قلبي ذليلا لله، فعقلي مقتنع تماما، لكن قلبي -وهو الأهم- تعتريه أحيانا مشاعر اعتراض في بعض الأمور المهمة، فمثلا قد أنجح في شيء، ثم أقول: أنا لم أفعل شيئا، وأنا أعلم أن ذلك كله بتوفيق الله، لكن هل يعني هذا أنني حقا لم أجتهد، أم أن لي نصيبا من الاستحقاق؟
أود أن أجعل قلبي خاضعا لله، فالمشكلة ليست أنني لم أتعلم العلم الشرعي، ولا أنني معترضة على شيء في الدين، وإنما هي مشاعر وأفكار لا أدري كيف أتخلص منها.
والجزء الثاني من سؤالي: كيف أجعل حزني من مواقف الأشخاص القريبين مني أقل؟ فمشكلتي الأساسية أنني أفكر كثيرا، كما أن إحساسي شديد، ولذلك أحزن كثيرا في مثل هذه المواقف، وأعمل عقلي في كل موقف؛ مما جعلني شديدة الحزن، وقد وصل بي الأمر مرة -والعياذ بالله- إلى أن أقول: أنا حزينة من الله عز وجل، ولهذا استخلصت أن مشكلتي الحقيقية هي أنني لست شخصا متصفا بالرضا، فأنا أقبل، لكن ربما لست متصفة بالرضا التام.
وأنا بالفعل لدي اضطراب القلق العام "GAD"، وقد شخصت به بعد أن كان هناك اشتباه في إصابتي باضطراب ثنائي القطب "BP"، لكنه تبين أنني لست مصابة به، ولدي أيضا تاريخ طويل مع الاكتئاب، وأنا كذلك شخص أمرض كثيرا، مما يجعل قدرتي على التحمل النفسي ضعيفة.
أود فقط أن يدلني أحد على الطريق، فأنا أشعر أنني تائهة.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ إيمان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- ونشكر لك ثقتك بنا في إسلام ويب، وجوابي لك على استشارتك كالآتي:
أولا: أسئلتك المضمنة في رسالتك تدل على إيمانك بالله، وأنك تطلبين الأفضل؛ ولذلك عليك بالعزيمة الأكيدة حتى تتجاوزي بعض مشاكلك المذكورة، فقد طلبت معرفة طريق التقرب إلى الله تعالى، وتحقيق رضاه، وهو واضح، فقد بينه النبي ﷺ أتم بيان، ففي البخاري عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، عن الله تبارك وتعالى، قال: ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ووما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وولئن استعاذني لأعيذنه، ووما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته.
واعلمي أنك كلما تقربت إلى الله، تقرب الله إليك، وزادك قربا منه سبحانه، ومما تتقربين به إلى الله لزوم الدعاء والابتهال؛ فإن القلوب بين إصبعين من أصابعه سبحانه، يقلبها كيف يشاء، وعليك بالإكثار من قراءة القرآن، وكثرة الذكر، وكثرة الصلاة على النبي ﷺ، وكذا الصحبة الصالحة، وطلب العلم الشرعي، وبتنظيم وقتك، وعدم إضاعته؛ فكل هذه الأسباب ستعينك -إن شاء الله- في التقرب إلى الله تعالى.
ثانيا: سألت عما يذلل قلبك ويجعله يخشع لله تعالى، فعليك بمعرفة عظمة الله وأسمائه وصفاته، والإكثار من الذكر، وتدبر القرآن، والابتعاد عن الذنوب، وتأملي نعم الله عليك، ومحاسبة النفس على ذنوبها ومعاصيها.
ثالثا: وأما سؤالك كيف أجعل حزني من مواقف الأشخاص... إلخ؟ فالجواب: أنصحك ألا تقرئي أفكار أحد، ولا تشغلي بالك بما يفعله أو يقوله الآخرون؛ فبذلك تتعبين من تفكيرك، ويزداد لديك الشك من قدراتك، مع أهمية تحديد السلبيات في شخصيتك، واعملي على التخلص منها.
وبالنسبة لتقبل الناس أو أقاربك لك أو عدم تقبلهم، يعتمد على عدة عوامل، هي: الأخلاق، الشكل العام، الهندام، طريقة الكلام، والموضوعات التي تطرح، الأصدقاء الذين تتفاعلين معهم، وغيرها من العوامل التي تفرضها طبيعة المكان الذي يتواجد فيه الشخص، لا تعطي أحدا أكبر من قدره، ولا تضعي نفسك مواضع السوء، وتنزليها منازل متدنية، ولا تنعزلي عن الآخرين، وعليك بالصبر والتحمل تجاه إيذاء الآخرين.
رابعا: وأما قولك حينما يصل بك عدم الرضا بقدر الله أن تقولي "أنا حزينة من الله"، فلا شك أن الاعتراض على المقادير وتسخطها أمر منكر لا يليق بمسلم، فالمؤمن يعلم ويوقن بأن قضاء الله كله خير، ويصبر لحكم الله تعالى، قال الله تعالى: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} قال علقمة: "هو العبد تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم".
ومن ثم: فعليك أن تتوبي إلى الله من هذا التذمر والتسخط، وتوطني نفسك على الصبر لحكم الله، والرضا بقضاء الله، وفي الحديث عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.
خامسا: وأما كونك تصابين بالاكتئاب، فإنه بإمكان المسلم أن يتخلص من الاكتئاب بصدق إيمانه، وقوة يقينه بالله تبارك وتعالى، والاعتماد عليه، وعلمه بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ومن وسائل التخلص من الضيق والاكتئاب: كثرة ذكر الله تعالى، فعليك بالذكر، ولا سيما أذكار الصباح والمساء، والدخول والخروج، والطعام والخلاء، والنوم والاستيقاظ.
ومن الأذكار التي تفرج الهم وتكشف الغم دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قال الله تعالى تعقيبا على هذا الدعاء: {فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين}.
سادسا: وأما طريق الرضا والطمأنينة فيبدأ من اليقين بحكمة الله، والتسليم لقضائه، فعليك بالتوكل واليقين؛ أي الثقة التامة بأن تدبير الله لك في كل أمر هو الخير، والتسليم لقضائه.
وكذلك النظر لمن هم أقل منك، مقارنة بحالك في أمور الدنيا بمن هم دونك، لتقدير فضل الله عليك، وهذا هو المنهج النبوي الذي أرشدنا إليه رسول الله ﷺ، فقال: انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله.
فينبغي أن تتذكري نعم الله تعالى الكثيرة عليك، فأنت الآن تنظرين إلى الجانب الذي حرمت منه فقط، وتتناسين ما أعطاك الله تعالى من نعم، وهي كثيرة، ويظهر من رسالتك أن وظيفتك صيدلانية، وهذه نعمة لو تفكرت فيها، وتدل على التفوق واللغة ومعرفتك بالدواء، في نفس الوقت الكثيرات يفتقدن هذه المميزات التي عندك.
وختاما: أسأل الله أن يذهب عنك وسوسة الشيطان، وأن يشرح قلبك بالرضا والإيمان والسعادة في الدنيا والآخرة، اللهم آمين.
_______________________________________________
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ خالد عبد الله الصبري، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، مستشار أول للطب النفسي وطب الإدمان.
_______________________________________________
نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك الصحة والعافية.
قمت بالاطلاع على رسالتك، وكذلك الاطلاع على الإجابة الرصينة التي زودك بها الأخ الشيخ الدكتور/ خالد عبد الله الصبري جزاه الله خيرا، ومن وجهة نظري ما ذكره لك الشيخ الدكتور خالد يكفي تماما لأن يوجه حياتك سلوكيا إلى ما هو أفضل، ويخرجك -إن شاء الله تعالى- من هذا الفكر السلبي التشاؤمي.
فأرجو أن تطلعي بكل دقة على ما أورده لك، وتأخذي به، وتطلعي عليه ليس مرة واحدة، وإنما من وقت لآخر، اجعلي هذه الإجابة وثيقة علاجية مهمة بالنسبة لك.
أما من الناحية النفسية -أيتها الفاضلة الكريمة- فمثل هذه المنهجية في التفكير تدل على وجود اضطراب مزاجي، وشيء من القلق النفسي، وربما أيضا تكون هناك بعض الهشاشة في أبعاد الشخصية، وقد تكون هناك نوع من الوسوسة، هذه السمات لا نعتبرها مرضا أبدا، ولا تمثل كتلة مرضية ضخمة، إنما هي نوع من الظواهر، وفي معظم الأحيان الإنسان الذي على نفس شاكلتك يتحسن بمرور الأيام.
أولا: أنت محتاجة أن تناقشي الفكر السلبي، لا تتقبليه أبدا، وذلك من منطلق أن كل ما هو سلبي -من أفكار، ومشاعر، وخلافه- يوجد ما يقابله مما هو إيجابي، فلماذا لا يأخذ الإنسان بما هو إيجابي؟ دائما اطرحي على نفسك هذا السؤال وهذه الإجابة.
ونصيحتي لك أيضا: أن تصرفي انتباهك عن كل هذه السلبيات، من خلال أن يكون لك مشروع حياة، هكذا تسمينه، يكون هناك هدف، مثلا: التطوير الأكاديمي، هذا يمكن أن يكون هدفا، ويمكن أن يصاحب ذلك هدف آخر، أن تحفظي مثلا أجزاء معينة من القرآن الكريم في مدة معينة، هذا هدف.
فالانشغال بالأهداف يؤدي إلى صرف الانتباه عن السلبيات؛ لأن الإنسان الذي يحقق أهدافه -كبيرة كانت أو صغيرة- سوف يشعر بقيمته الذاتية، وهذا من وجهة نظري مهم جدا، ودائما اسعي أن تكوني ذات فائدة لنفسك وللآخرين، بمعنى آخر: أن تلعبي دورا إيجابيا في الحياة، وهذا ليس صعبا أبدا.
ولا بد أن يكون لديك شغف نحو أشياء معينة، بغض النظر عن هذه الأفكار السلبية والوسواسية، وخلافها، ابني لنفسك مشاعر إيجابية حيال أشياء أخرى، اتركي هذه، وتجاهليها، وابني أفكارا جديدة، ومشاريع جديدة، وأهدافا جديدة، هذه مهمة جدا، بناء الشغف نحو شيء معين ممكن، وليس بالصعب أبدا.
طبعا نحن دائما ننصح بنمط الحياة الإيجابي؛ لأن نمط الحياة الإيجابي هو المنطلق الأساسي الذي من خلاله تتطور الصحة النفسية عند الناس بصورة إيجابية، وأهم مقومات الصحة النفسية الإيجابية طبعا: تنظيم الوقت، والنقطة المحورية في تنظيم الوقت هي تجنب السهر، وأن تكون هناك برامج يومية واضحة يقوم الإنسان بتنفيذها، الاهتمام بالرياضة، الاهتمام بالعبادة، الاهتمام بالتواصل الاجتماعي، تخصيص وقت للاستمتاع بما هو طيب وجميل، المشاركات الأسرية الإيجابية، وأن يكون هناك هدف أو أهداف لدى الإنسان، ويضع الآليات التي توصله إلى أهدافه.
خلاصة الموضوع: أدخلي أشياء جديدة على حياتك، بغض النظر عن وجود هذه الأشياء السلبية التي تحدثت عنها؛ لأن ما هو إيجابي غالبا يزيح ويزيل ما هو سلبي في حياتنا، من مشاعر، أو أفكار، أو أفعال.
لا بأس أبدا أن تتناولي أحد محسنات المزاج المضادة للقلق، كما تفضلت ليس هناك ما يشير إلى وجود علة ثنائي القطب، وفي هذه الحالة أعتقد أن عقار "فورتيوكستين - Vortioxetine"، والذي يعرف باسم "برينتيليكس - Brintellix"، بجرعة (10 ملغ) يوميا، تتناولينها ليلا لمدة ثلاثة أشهر، ثم تتوقفين عن تناولها، سيكون دواء ممتازا، وفاعلا جدا، وهو سليم، وغير إدماني، وغير تعودي، ولا يؤثر على الهرمونات النسائية.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.