السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أود أن أشكر حضراتكم على مجهودكم؛ فقد كان له أثر كبير في حياتي، خاصة فيما يتعلق بأمر بر الأم والعمل بالنصيحة.
وبالرغم من أنني كلما حدثت مشكلة أعود إلى قراءة الاستشارة مرات عديدة، وأعمل بها فعلا لفترة من الوقت، فإنني لم أكتب هذه الاستشارة إلا لأنني أعيش في حزن شبه دائم، وقد حسنت معاملتي مع أمي، حتى إنها كانت تشهد بذلك، لكنها لم تحسن معاملتي معي مطلقا، وإن كنت لا أنتظر منها ذلك.
أولا: لقد قمت -ولله الحمد- بالاستجابة لنصيحة فضيلتكم، فقمت بما يلي:
• أشغلت وقتي بطلب العلم.
• العمل خارج المنزل لوقت طويل نسبيا كمحفظة قرآن في دار.
• نشر بعض العلم الذي تعلمته.
• التعرف على بعض الصديقات الصالحات.
وبالرغم من ذلك كله، فإن أمي تعايرني، فإذا صدر مني خطأ بحقها، أو شيء من العقوق، تقول لي: "أنت كمثل الحمار يحمل أسفارا"، وتقول لي: "لا فائدة من العلم، ولا تحسبي أن تعليمك للناس، وكونك تحفظين القرآن الكريم، أن ذلك هو الحياة، فأنت لا تعملين بالعلم".
مع أن كل بر بها، ومحاولة تحسين أخلاقي، هو بفضل الله أولا، ثم بتطبيق العلم قدر الإمكان، ويشهد الله أنني أكثر من في البيت تحملا لها، وأصمت في وقت صراخها علي، أو التقليل من كرامتي.
مع العلم أن أختي الاثنتين لا تتعرضان لهذه الابتلاءات بهذا الحجم، فأمي متفاوتة في تعاملها معنا؛ معي الجفاء، ومعهما الحب واللين، وتبادل الكلام والجلوس معهما، ولا أنكر أنها أحيانا تصرخ عليهما، لكن ذلك أقل مني بكثير، وأنا في المقابل لا تهتم بأمري.
وربما من ضمن الأسباب، وهو ما ذكرته سابقا، أنني أقف كثيرا في صف والدي عند اختلافهما، وبكل أدب أنصحها بحسن التبعل للزوج، وأنه لا يجوز رفع الصوت عليه، أو التقليل من قدره أمام بناته، فتأخذ كلامي على أنني أقف ضدها، وكذلك أمي قاطعت كل خالاتي، فنصحتها بأهمية صلة الرحم بحكمة، وكانت أحيانا تسمع مني، لكنها في النهاية أخذت الأمر على أنني أقف مع كل الناس ضدها.
مع العلم أنني الآن ابتعدت تماما عن التدخل، بالرغم من أن علاقة أمي وأبي تسوء، والأسرة مفككة جدا، وفي المقابل كانت أختاي تسمعان من أمي الغيبة ويسايرانها في الكلام، فكانت تحكي لهما، وترتب على ذلك أن أختي قامتا بقطع الرحم مع خالتهما بسبب ما سمعناه من غيبة وكلام.
كذلك فهما تشاهدان المسلسلات، وتقعان في بعض الأمور المحرمة، ولا تنصحهما أمي بترك ذلك، فلماذا تركز على أخطائي أنا فقط وتعايرني بها؟!
حاليا أصبحت أكره أختي؛ لأنهما مفضلتان علي، وبيتنا غالبا ما تكون فيه مشاكل من أكثر من جانب، كما أن أمي تغتابني أمام إخوتي.
ورغم أنني أتذكر الوعيد من الوقوع في العقوق، وأحاول الرجوع عن هذه المشاعر، فإنني أشعر بتعب وحزن شديدين، وأحتاج إلى توجيهكم ونصحكم، بارك الله فيكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويجبر كسرك، ويؤلف بين قلوبكم، ويعينك على بر والدتك، ويثبتك على الحق، ويصرف عنك الظلم والغل، ويجعلك من المحسنات اللاتي يبتغين وجهه الكريم.
نحن نرحب بك في أي وقت، وقد سرنا أخذك بالنصيحة السابقة، وحولتها إلى عمل؛ فانشغلت بطلب العلم، وتعليم القرآن، وتكوين الصحبة الصالحة، والابتعاد عن الفراغ، وهذه خطوات مباركة نسأل الله أن يثبتك عليها، فلا تحتقريها لمجرد أنك لا ترين أثرها الكامل في واقع بيتك الآن، فإن أثرها قادم لا محالة متى ما تمسكت بالمجاهدة والصبر.
لكننا لاحظنا أمرا مهما في رسالتك، وهو أنك أصبحت تقيسين نجاحك في بر والدتك من خلال تغير معاملتها لك، مع أنك تقولين: "لا أنتظر ذلك"، والواقع أن كثيرا من عبارات رسالتك تدور حول سؤال واحد: لماذا لا تتغير؟ ولماذا لا تعاملني كما تعامل أخواتي؟
وهنا ينبغي أن نصحح الميزان؛ فالله لم يأمرك ببر والدتك لتتغير هي، وإنما أمرك ببرها لتتغيري أنت، ولذلك قد يبتلي الله بعض الأبناء بوالد أو والدة يشكران الإحسان، ويبتلي آخرين بوالد أو والدة لا يريان إلا الخطأ، ليظهر صدق البر حين لا يجد صاحبه مكافأة من البشر.
• وهذا لا يعني أن ما تفعله والدتك -من خلال ما ذكرت- صحيح، فالتفريق بين الأبناء، أو كثرة التوبيخ، أو جرح الكرامة، أو ذكر الابن بسوء أمام إخوته، كلها تصرفات مؤذية، لكننا لا نريد أن يصبح خطؤها سببا في أن تخسري أنت عبادتك.
كما لفت انتباهنا أيضا أنها تعيرك بالعلم، وتقول: "أنت كالحمار يحمل أسفارا"، وهذا الكلام مؤلم بلا شك، لكن احذري أن يجعلك الشيطان تنفرين من العلم بسبب من يستخدمه في التعيير، بل اجعلي هذا باعثا على مزيد من العمل بالعلم، لا على تركه، فالإنسان لا يثبت صدق علمه بأنه لا يخطئ، وإنما بأنه كلما أخطأ رجع، وكلما قصر تاب، وكلما ضعف قام من جديد، وليس من العدل أن تحاسبي نفسك على كل هنة، وكأن طالب العلم يجب أن يصبح معصوما! هذا غير صحيح، ولم يقع حتى للصحابة رضوان الله عليهم.
• أما ما ذكرته من أنك كنت تنصحين والدتك في شأن والدك، أو في صلة الرحم، ثم فهمت ذلك على أنه وقوف ضدها، فنرى أن ابتعادك الآن عن التدخل في النزاعات الأسرية قرار حسن، فليس كل حق يجب أن يقال في كل وقت، ولا كل نصيحة تكون نافعة إذا كان الطرف الآخر لا يتقبلها.
وأحيانا يكون حفظ العلاقة أولى من تكرار نصيحة ثبت بالتجربة أنها لا تزيد إلا النفور، ولا يعني هذا ترك الأمر بالمعروف مطلقا، وإنما يعني مراعاة المصلحة، وأن تعرفي متى تكون الكلمة نافعة، ومتى تكون سببا لزيادة الخصومة.
• وأما مقارنة نفسك بأخواتك، فهي من أكثر الأمور التي نخشى أن تؤذي قلبك، فالشيطان إذا عجز عن إفساد علاقتك بأمك، انتقل إلى إفساد علاقتك بأخواتك، ولهذا استوقفتنا عبارتك: "حاليا أكره أخواتي لأنهم مفضلون علي"، وهنا لا بد أن نقول لك: لا تجعلي أخواتك يدفعن ثمن أمر لم يخترنه، فقد يكون هناك تفضيل في المعاملة، وهذا مؤلم، لكن أخواتك لسن سببا فيه، وإذا تحول الألم إلى كراهية لهن؛ فقد انتقل الظلم من موضع إلى موضع آخر، وعليك أن تجتهدي أن يكون قلبك سليما تجاههن، وإن لم يكن تعاملهن كاملا.
• وأما قولك إن والدتك تغتابك أمام إخوتك، فهذا لا يبيح لك عقوقها، كما أن غيبتها لا تبيح لك أن تقابلي الإساءة بالإساءة، فإن استطعت عند اشتداد غضبها أن تنسحبي بهدوء، أو تؤجلي الحوار حتى تهدأ، أو تقللي الاحتكاك الذي يكثر فيه النزاع، فهذا من الحكمة، وليس من العقوق.
ونريد أن ننبهك إلى أمر ربما غاب عنك، لقد كتبت في أول الرسالة أنك تعيشين في "حزن شبه دائم"، وهذه العبارة لا ينبغي أن تمر مرورا عابرا، فالعيش سنوات في بيت يكثر فيه الصراخ، والمقارنة، والنقد، والتوتر، قد يترك آثارا نفسية من وجهين:
1. أن صاحبه يرى نفسه أشد الناس ابتلاء، وهذا غير صحيح، ولو قلبت نظرك فيمن هي في مثل عمرك ومصابة بالأمراض العضال، أو فقدت أهلها وبيتها وهامت على وجهها وحيدة، لعلمت أنك في نعمة.
2. أن الشيطان يستدرج صاحب هذا الوهم إلى طريق اليأس، وهذا مزلق خطر.
وأخيرا: نحب أن نذكرك بأمر لعله يخفف عنك كثيرا، ليس المطلوب منك أن تنجحي في تغيير أمك، ولا أن تخرجي من هذا البيت وقد أصلحت كل ما فيه، فهذا ليس في وسعك، وإنما المطلوب أن تخرجي أنت من هذا الابتلاء بقلب أقرب إلى الله، ولسان أكف عن الحرام، ونفس لا تحمل أوزار غيرها.
فإذا وقعت منك كلمة عقوق، فبادري بالتوبة، ولا يقنعك الشيطان أن ما بنيته في سنوات قد هدمته زلة واحدة، بل المؤمن حياته كلها بين مجاهدة وتوبة، وضعف ورجوع، وليس بين كمال وسقوط.
بقي أن نخبرك بأمر آثرنا أن نجعله في النهاية حتى يكتمل الميزان، وهو أن الأصل في الأمومة أن الله أودع في قلبها محبة ولدها، وهذه فطرة جبلها الله عليها، لا تملك أن تخلقها بنفسها ولا أن تنتزعها من قلبها متى شاءت، فاطمئني وتذكري أنها هي التي حملت، وتعبت، وسهرت، وأرضعت، وربت، فلا ينبغي أن تبني يقينا في قلبك أن أمك قد تكرهك أو تتمنى لك الشر.
نعم، قد تخطئ في أسلوبها، وقد تشتد في العتاب، وقد تفضل بعض الأبناء في بعض صور المعاملة، وقد تظلم وهي تظن أنها محقة، لكن كل ذلك لا يعني أن المحبة قد زالت من قلبها؛ فكثير من الآباء والأمهات يعجزون عن التعبير عن محبتهم، أو تغلبهم ضغوط الحياة، أو تسيطر عليهم انفعالاتهم، فيظهر منهم من القسوة ما لا يعبر حقيقة عما في قلوبهم، فلا تدعي الشيطان يقنعك بأن كل كلمة قاسية تعني أن أمك لا تحبك؛ فإن هذا من أعظم ما يفسد القلب، ويقطع باب الأمل والإصلاح، ولا تجعلي معيار محبتها لك هو طريقة تعبيرها عنها، بل عامليها بما أمرك الله به، ودعي سرائر القلوب إلى الله، فهو سبحانه المطلع على الخفايا.
نسأل الله أن يصلح والدتك، ويشرح صدرها، ويؤلف بين أفراد أسرتكم، وأن يرزقك الصبر الجميل، والقلب السليم، وأن يجعل هذا الابتلاء سببا لرفعة درجتك، لا سببا لانكسارك، والله الموفق.