أحب الله وقلبي متعلق به لكني أشعر بأنه لا يحبني، فهل هي وساوس؟

0 5

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ فترة ليست بالقصيرة، هناك هواجس تكدر علي حياتي، وتثقل علي حتى العبادات، فأشعر بأن الله يكره عبادتي، بل ويكرهني ولا يحبني، ولا يسمعني، ليس لأنه لا يسمعني -حاشاه-، فهو السميع العليم، ولكن لأنه يكره صوتي، وليس لأنه لا يراني -حاشاه-، فهو السميع البصير، ولكن لأنه يكره رؤيتي.

أظل أبكي كشخص متروك محروم، مع أنني أحب الله حبا جما، وقلبي متعلق به أشد التعلق، ولكنني أشعر برفضه -جل جلاله-، وبسخطه وغضبه، ومهما استغفرت وتعبدت لا أشعر بجدوى ذلك، ومهما استذكرت ذنوبي، وتعوذت منها، ودعوت بالعفو، يبقى هذا الشعور ملازما لي.

هذا الحال سبب لي أمراضا جسدية، وبحثت فوجدت أن ما أعاني منه قد يكون من أعراض ما يبتلى به المرائي، مع أنني لم يسبق لي أن اقترفت هذا الذنب بنية الرياء، ولو في سريرتي، فرضا الله هو أول ما يخطر في بالي عند كل فعل أفعله، حتى في كتابتي لهذا السؤال.

والحال أنني خشيت أن تكون هذه الأمور إشارات من ربي إلى سوء حالي، وإلى عدم كفاءتي، وليست من وساوس الشيطان، فأرجو نصيحتكم، ولكم جزيل الشكر.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك في استشارة إسلام ويب، نشكر لك تواصلك مع الموقع، وثقتك فيه، وحرصك على إخلاص العبادة لله تعالى، ونسأل الله تعالى أن يزيدك هداية وصلاحا وخوفا منه سبحانه وتعالى، وأن يصرف عنك سوء الوساوس، وشرور الشيطان.

وبداية نقول -أيتها الأخت الكريمة-: إن خوف الإنسان من الرياء، وخوفه من عدم قبول عمله، أمر مطلوب ومحبوب، ولكن في حدود إيجابية نافعة، فهو مطلوب ومحمود ومحبوب إذا كان سببا باعثا على زيادة العمل، وزيادة التحري فيه، وإخلاص النية فيه لله تعالى، وهذا شأن المؤمن، فإن المؤمن يخاف على نفسه الرياء ولا يأمنه، وقد كان أجلاء الصحابة، مثل أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- يخشى ويخاف على نفسه الرياء، وقد علمه النبي ﷺ أن يقول في صباح كل يوم: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم وهكذا كان باقي الصحابة الكرام، مع جلالة قدرهم، وارتفاع منازلهم في الإيمان، يخافون على أنفسهم من الرياء والنفاق.

ولكن هذا الخوف يشكل في حياتهم جانبا إيجابيا؛ لأنه يدفعهم، ويحثهم على مزيد من الأعمال الصالحة التي يتقربون بها إلى الله، ويحثهم على تواضعهم لله تعالى، واعترافهم أمامه سبحانه بالعجز، والتقصير، والذنوب، ويدفع عنهم العجب، والكبر، والاغترار بالنفس والعمل، وهذه كلها طاعات محبوبة عند الله تعالى، فإن الله تعالى ينظر إلى قلوبنا قبل أن ينظر إلى أعمالنا.

فخوفك من الرياء، وشعورك بأنك لا تزالين مقصرة، وأن الله تعالى لا يحبك، إذا كان يبعثك ويحثك على مزيد من الأعمال الصالحة، فإن هذا أمر إيجابي ومطلوب.

وقد بين الله تعالى لنا طريق المحبة التي يحبنا إذا سلكناها، وهي الإكثار من الأعمال الصالحة، فإن الله تعالى ليس بينه وبين أحد من الناس أي علاقة غير علاقة العبودية والعمل، وقد قال سبحانه في الحديث القدسي: وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، بعد أن قال: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، فبين لنا في هذا الحديث الطريق التي توصلنا إلى أن يحبنا الله تعالى، وهي أداء الفرائض أولا، ثم الإكثار من النوافل ثانيا، فإذا سلكت هذا الطريق، فإنك ستصلين إلى أن يحبك الله.

أما الخوف المحبط، والخوف المقيد عن العمل، والخوف الذي يجعل الإنسان يائسا من رحمة الله، ومن فضل الله، فإن هذا الخوف خوف مصدره الشيطان، يخوف به الإنسان ليقعده عن العمل، ويقطعه عن طريقه إلى الله تعالى، وقد حذرنا الله تعالى من تخويفات الشيطان، فقال: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه}.

فينبغي لك أن تجمعي بين حسن الظن بالله تعالى، وذلك بأن توقني بأنه سبحانه رب رحيم، غفور، ودود، وأنه سبحانه يقيل العثرات، ويمحو السيئات، ويقبل التوبة، ويسامح عبده، ويعفو عنه، وهذه كلها أوصاف وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه الكريم، وبجانب ذلك تخافين عقابه، فإن الله خوفنا من عقابه، فقال: {اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم}، هكذا أخبرنا في كتابه الكريم، وقال: {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم}.

وأما الرياء فإنه يدفع بتذكر أن الإنسان لا يمكن أن ينفعه أحد من الناس، أو يضره أحد منهم، وأن النافع الضار هو الله تعالى وحده، وأن الناس لا يمكن أن يجلبوا لك خيرا، أو يدفعوا عنك شرا، فتذكرك لضعف الناس وعجزهم يجعلك تقصدين بعملك وجه الله تعالى، وتذكرك لكون العمل يمكن أن يكون سببا لعذابك، بدل أن يكون سببا لنجاتك وفوزك إذا دخله الرياء، فإن هذا أيضا يدفعك نحو مقاومة الرياء.

فاستمري فيما أنت فيه من الأعمال الصالحة، وأحسني ظنك بالله تعالى، واطردي عنك هذه الوساوس بعدم الاشتغال بها، وصرف الذهن عنها كلما داهمتك، وأضيفي إلى ذلك الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم كلما داهمتك هذه الأفكار، وأكثري من ذكر الله، وبذلك ستزول عنك، بإذن الله تعالى.

نسأل الله تعالى لك الهداية والتوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات