السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كيف أتعامل مع المواقف السيئة التي مررت بها، علما أنني أرى معظم الأشخاص الذين أساؤوا إلي، لكنني لا أتعامل معهم بشكل مباشر؟ ويضايقني شعوري بأن من رآني في تلك المواقف ينظر إلي على أنني ضعيفة الشخصية، وأقبل السخرية والتقليل من شأني.
أنا أحاول الأخذ بالأسباب والعمل على تقوية شخصيتي، لكنني أريد نصيحة أتغلب بها على حزني عند تذكر تلك المواقف، وعلى انشغالي بنظرة الآخرين إلي.
وأيضا: هل من الخطأ أن أنسى الأشخاص الذين آذوني، وألا أنتظر رد ما فعلوه بي؟ فأنا دائما ما أنشغل بما حدث، وأتمنى أن أرد الأذى إليهم؛ فهل إذا حاولت نسيانهم ونسيان ما فعلوه بي أكون مخطئة، أم ينبغي لي التفكير في رد الأذى إليهم؟ وخاصة أنني من النوع الذي يسامح دائما، ولا يتعلم مما مضى.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ Heba، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بارك الله فيك، ونفع بك وبعلمك، ونهنئك على تخرجك في مجال الطب، وهو تخصص عظيم يحتاج إلى علم، وصبر، ومسؤولية، ورحمة بالناس، وما وصلت إليه في هذه المرحلة من عمرك يدل على أنك تملكين قدرا من المثابرة والقدرة على تجاوز الصعوبات أكثر مما تتصورين.
ومن خلال ما ذكرت، يبدو أن المشكلة ليست في المواقف المؤذية وحدها، وإنما في الأثر الذي تركته في نفسك؛ فأنت ما زلت تستحضرينها، وتتساءلين: كيف رآني الآخرون؟ وهل ظنوا أنني ضعيفة وأقبل السخرية والتقليل من شأني؟ ثم يتداخل مع ذلك شعور آخر، وهو الرغبة في أن يريك الله في كل من أساء إليك جزاء ما فعل، وكأن النفس تبحث عن استعادة كرامتها من خلال رد الأذى.
ونطمئنك أختنا الكريمة: أن تذكرك للمواقف المؤلمة لا يعني أنك ضعيفة الشخصية، ولا يعني أنك لن تتعافي منها؛ فالإنسان قد يحتفظ بذكريات المواقف التي مست كرامته أو مشاعره فترة من الزمن، خصوصا إذا شعر في وقتها أنه لم يستطع أن يتصرف بالطريقة التي كان يتمناها، ولكن التعافي لا يعني أن تمحي الماضي من ذاكرتك، وإنما أن تتذكريه دون أن يعيد إليك الشعور نفسه بالألم أو العجز.
وأهم ما تحتاجين إلى تصحيحه هو الفكرة التي تقول: إن الذين رأوني في تلك المواقف أصبحوا يرونني ضعيفة، فهذه في كثير من الأحيان مجرد قراءة لما في نفوس الآخرين لا نملك دليلا عليه؛ وقد يكون بعض من شاهد الموقف قد نسيه تماما، بينما بقي في ذهنك لأنه كان مؤلما لك، فلا تجعلي قيمتك رهينة لنظرة الآخرين؛ فأنت لا تستطيعين التحكم فيما يظنه الناس، لكنك تستطيعين أن تختاري من تكونين وكيف تتعاملين مع نفسك ومعهم.
ثم تذكري أن المسامحة ليست ضعفا، والانتقام ليس دليل قوة، مصداقا لقول الله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40]، وقال سبحانه: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41].
فالشريعة لا تلزمك بأن تقبلي الظلم أو تسمحي بتكراره، كما أنها لا تدعوك إلى أن تجعلي حياتك مشروعا للانتقام. ويمكنك أن تسامحي من أساء إليك، وفي الوقت نفسه أن تتعلمي من التجربة، وتضعي حدودا واضحة، وتقللي علاقتك بمن يؤذيك، ولا تمنحي الثقة إلا لمن يستحقها.
ولذلك فإن قولك: "أنا أسامح دائما ولا أتعلم من الماضي"، يحتاج إلى تعديل بسيط؛ فالمطلوب ليس أن تتوقفي عن المسامحة، وإنما أن تجعليها مسامحة واعية شعارها: أعفو عن الشخص حتى لا أحمل الحقد في قلبي، لكنني أتعلم من سلوكه، وأفهم إشارات الخطر، وأعرف متى أقول كلمة (لا)، ومتى أبتعد، وكيف أحمي نفسي بطريقة هادئة ومحترمة.
أما رغبتك في أن يرد الله إليهم ما فعلوه بك، فهي شعور إنساني مفهوم، لكن لا تسمحي له أن يستنزفك، فكلما انشغلت بانتظار عقوبتهم أو مراقبة ما سيحدث لهم، بقيت مرتبطة بهم نفسيا، مع أنك تريدين التحرر منهم.
وتذكري قول النبي ﷺ: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، فالقوة الحقيقية ليست في سرعة الرد، وإنما في أن تختاري ردك وأنت هادئة، وألا تسمحي لمن أساء إليك أن يتحكم في مشاعرك وحياتك حتى بعد انتهاء الموقف.
وننصحك عندما تعود إليك ذكرى مؤلمة، ألا تدخلي معها في حوار طويل: لماذا لم أرد؟ ماذا كانوا يظنون؟ ماذا كان يجب أن أقول؟ بل قولي لنفسك: حدث هذا وانتهى، ولم يكن تصرفي في ذلك الوقت مثاليا، لكنني تعلمت، وأصبحت اليوم أكثر وعيا وقدرة على التعامل، ثم اسألي نفسك ثلاثة أسئلة: ماذا تعلمت من الموقف؟ ما الحد الذي سأضعه مستقبلا؟ وما التصرف الأفضل لو تكرر الأمر؟ وبعد ذلك اتركي الماضي، وحاولي طرد الفكرة وعدم الاستغراق فيها، والانشغال بما هو مفيد لك.
أنت الآن في بداية حياتك المهنية، فلا تسمحي لمواقف قديمة أن تختزل شخصيتك أو تحدد صورتك عن نفسك، فأنت طبيبة في بداية طريقك، وما هو متاح أمامك من فرص للنمو، والتعلم، وبناء الشخصية أكبر بكثير من تلك المواقف التي تؤلمك اليوم، وما حدث لك يمكن أن يتحول مع الوقت من جرح تؤلمك إلى خبرة تزيدك نضجا، ووعيا، وحدودا، وثقة.
وإذا لاحظت أن استحضار هذه المواقف أصبح متكررا بصورة تؤثر في نومك، أو عملك، أو علاقاتك، أو ثقتك بنفسك، أو تحول إلى انشغال قهري بالانتقام؛ فلا تترددي في الاستعانة باختصاصي نفسي ثقة؛ فطلب المساعدة ليس ضعفا، بل هو من حسن الأخذ بالأسباب.
ويمكن تطبيق بعض الوسائل العملية المعينة التي تساعدك على تجاوز هذه المرحلة:
• حددي دائرة الأمان: ليس كل شخص يستحق معرفة تفاصيلك أو الاقتراب من حياتك؛ اختاري من تثقين بحكمتهم وأمانتهم، واجعلي علاقتك بالآخرين بقدر ما يحقق لك الاحترام والطمأنينة.
• لا تعيدي محاكمة نفسك بعد انتهاء الموقف: إذا شعرت أنك لم تحسني التصرف، فتعلمي منه، لكن لا تعاقبي نفسك على عدم امتلاكك آنذاك للخبرة التي أصبحت لديك اليوم.
• استخدمي قاعدة: (التوقف قبل الرد)، فعند تعرضك للسخرية أو التقليل، خذي لحظة قصيرة قبل الإجابة، ثم اختاري ردا هادئا وحازما، يحفظ كرامتك دون أن يدفعك إلى الإساءة.
• أغلقي باب المقارنة: لا تقارني قوتك بطريقة رد الآخرين؛ فبعض الناس يرفع صوته، وبعضهم ينسحب، وبعضهم يضع حدا هادئا، والقوة ليست في شكل الرد، وإنما في مناسبته واتزانه.
• احتفلي بالتقدم الصغير: كل مرة تنجحين فيها في وضع حد، أو تتجاوزين ذكرى دون استرسال، أو تختارين الهدوء بدل الانتقام، اعتبري ذلك علامة على أنك تتعافين وتزدادين نضجا، وكافئي نفسك واستمتعي بالمتاح في حياتك وهو كثير.
• اجعلي معيارك وشعارك في الحياة: هل أرضيت الله وحفظت كرامتي؟ بدل: هل انتصرت عليهم؟ فهذا التحول وحده ينقل التركيز من الآخرين إلى ما تستطيعين التحكم فيه.
نسأل الله أن يجبر قلبك، ويعوضك خيرا عما مررت به، وأن يزيدك علما، وحكمة، وثباتا، وأن يجعل ما تعرضت له سببا في قوة شخصيتك ونضجك، وأن يرزقك قلبا مطمئنا لا يحمل إلا الخير، ويصرف عنك أذى الناس وأثر أذاهم.
وبالله التوفيق والسداد.