السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا متزوجة منذ سنة، وقبل الزواج اعتدت أن أكون موظفة طوال الوقت، وفي أول خمسة أشهر من زواجي شعرت بالملل الشديد، خاصة أننا كنا نؤجل موضوع الحمل، ولأن عائلتي وعائلته ليسوا في نفس البلد.
حصلت على فرصة عمل في بنك، وهو ليس مجال دراستي، ولكن لأنني أعرف لغتين بالإضافة إلى لغتي الأم، تم توظيفي، وكان وضعنا المادي سيئا في بداية الزواج، وعلى زوجي دين يجب دفعه، فدخلت العمل بنية أن أملأ وقتي وأساعده في المصاريف.
مضى على عملي ثمانية أشهر، وأنا لست سعيدة به أبدا، فضغط العمل كبير جدا، والبيئة غير مريحة؛ لأنني الفتاة الوحيدة في الشعبة كلها مقابل تسعة رجال، ولم أعد أستطيع التوفيق بين تنظيم المنزل ومتطلبات العمل، بسبب ضغط العمل الكبير الذي يجعلني منهكة معظم الوقت.
الآن أنا حامل في شهر ونصف، وقد زاد الأمر تعبا، ولكنني لا أستطيع اتخاذ قرار بالاستقالة؛ بسبب خوفي من مصروفات المعيشة الغالية.
زوجي لم يجبرني على شيء، وطلب مني أن أستقيل عدة مرات، ولكن معرفتي بأن راتبه لا يمكن أن يكفي لسداد الديون ومصروفات المعيشة معا، هو الأمر الذي يجعلني مترددة وخائفة.
والآن لا شيء يشعرني بالسعادة، فأنا طوال الوقت أفكر في اليوم الذي أنتهي فيه من هذا العمل، ولا أعلم هل أصبر ستة أشهر حتى أحصل على إجازة ولادة؟ أم أستسلم وأستقيل؟ علما أنني إذا حصلت على إجازة ولادة، فسأحصل على راتب ستة أشهر أثناء جلوسي في المنزل، وهدفي ليس الحصول على المال بقدر ما هو الخوف من الندم إذا استقلت.
علما أن إيماني بالله قوي، وأعلم أنه يدبر الأمر ولا يترك العبد، لكنني خائفة من أن أكون قد ارتكبت ذنبا بترك العمل الذي رزقني الله به، وأن أكون قد ظلمت زوجي معي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ راما حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
من خلال رسالتك يظهر حرصك على القيام بمسؤوليتك تجاه أسرتك، ورغبتك الصادقة في الوقوف إلى جانب زوجك في بداية حياتكما الزوجية، وهذا من حسن العشرة والوفاء، ولا شك أن إعانة الزوج ومشاركته في تحمل أعباء الحياة من مكارم الأخلاق إذا كان ذلك برضا الزوجين واختيارهما، لكن من المهم أيضا أن تعلمي أن الشريعة جاءت بالموازنة بين المصالح والمفاسد، ولم تجعل تحمل المشقة غاية في ذاته، بل قال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]، وقال سبحانه: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286].
ولذلك فإن استمرار الإنسان في أمر مباح يترتب عليه ضرر ظاهر في دينه، أو صحته، أو استقرار أسرته، ليس مطلوبا شرعا، بل قد يكون تركه أولى إذا غلبت مفسدته على مصلحته.
ومن خلال ما ذكرت، فإن الذي أتعبك ليس مجرد العمل، وإنما اجتماع عدة أمور في وقت واحد؛ ضغط وظيفي شديد، وبيئة عمل لا تشعرين فيها بالراحة، وإرهاق في الجمع بين مسؤوليات المنزل والعمل، ثم دخولك في مرحلة الحمل التي تحتاج المرأة فيها إلى مزيد من العناية والطمأنينة.
كما أن مما يطمئن النفس أن زوجك -كما ذكرت- لم يلزمك بالعمل، بل عرض عليك الاستقالة أكثر من مرة، وهذا يدل على أنه يقدر تعبك، ولا يريد أن تكون المساعدة المالية على حساب صحتك أو استقرارك النفسي، وهذا من حسن عشرته لك.
وأما خشيتك من أن تكوني آثمة إذا تركت العمل لأنه رزق ساقه الله تعالى إليك، فهذه الخشية لا محل لها إن شاء الله، فإن الوظيفة سبب من أسباب الرزق، وليست هي الرزق نفسه، والله تعالى هو الرزاق، قال سبحانه: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6]، وقال جل وعلا: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2-3].
فليس كل رزق يفتح للإنسان يجب أن يبقى فيه إلى آخر عمره، بل قد ينتقل من سبب إلى سبب، ويبقى رزق الله تعالى محفوظا له إذا اتقى الله وأخذ بالأسباب المشروعة.
وفي المقابل: لا ينبغي أيضا أن يتخذ قرار الاستقالة تحت تأثير الإرهاق المؤقت أو الخوف الآني، خاصة وأن أمامك أمرا يحتاج إلى دراسة، وهو ما ذكرته من استحقاق إجازة الولادة مدفوعة الراتب لمدة ستة أشهر، فهذه ميزة مالية قد تعينكما على تجاوز جزء من الديون وترتيب أوضاعكما بعد استقبال المولود، ولذلك فالمسألة تحتاج إلى موازنة هادئة بين المصلحة المتحققة والضرر المتوقع.
أما الطريق العملي الذي أنصحك به، فمن ذلك:
• اجلسي مع زوجك جلسة هادئة، واحسبا بدقة الدخل، والديون، والمصروفات الأساسية، وانظرا: هل يمكن تحمل هذه الأشهر حتى إجازة الولادة دون أن يترتب على ذلك ضرر عليك أو على الحمل؟ فإن القرار إذا بني على الأرقام والحقائق كان أقرب إلى الصواب من القرار المبني على الخوف.
• استشيري طبيبتك حول أثر ضغط العمل على الحمل، فإن رأت أن الاستمرار قد يؤثر في صحتك أو صحة الجنين، فهذه قرينة مهمة ينبغي اعتبارها، لأن المحافظة على النفس والولد من مقاصد الشريعة.
• إن كان نظام العمل يسمح بتخفيف المهام، أو النقل إلى قسم أقل ضغطا، أو تقليل ساعات العمل، أو الاستفادة من الإجازات النظامية، فحاولي البحث عن هذه الخيارات قبل اتخاذ قرار نهائي.
• لا تجعلي شعورك بالذنب يدفعك إلى ما فوق طاقتك، فإن النبي ﷺ قال: إن لنفسك عليك حقا (متفق عليه)، ورعاية صحتك، خاصة في الحمل، ليست أنانية، بل هي مسؤولية شرعية.
• أكثري من الدعاء والاستخارة، وسؤال الله تعالى أن يختار لك ما فيه الخير، فإن من أعظم أسباب السكينة أن يفوض العبد أمره إلى ربه تعالى بعد بذل الأسباب، قال سبحانه: {وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد} [غافر: 44].
وأخيرا: أرى أن أكثر ما يشغل قلبك ليس العمل نفسه، وإنما الخوف من الندم، وهذا شعور يمر به كثير ممن يقفون أمام القرارات المصيرية، لكن المؤمن لا يجعل الخوف وحده قائدا لقراراته، وإنما يجمع بين الاستخارة والاستشارة، والنظر في المصالح والمفاسد، ثم يرضى بما يقدره الله تعالى.
فإن استطعت الاستمرار حتى إجازة الولادة دون أن يلحق بك أو بحملك ضرر معتبر، وكان في ذلك منفعة مالية واضحة، فقد يكون هذا خيارا مناسبا، أما إذا أصبح الضغط يؤثر في صحتك أو يهدد استقرار حملك، فلا حرج عليك في ترك العمل، مع حسن الظن بالله تعالى، فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته، ولا يضيع من ترك شيئا ابتغاء مرضاته.
نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وأن ييسر أمرك، وأن يبارك لك في حملك، وأن يرزقكما رزقا حلالا طيبا واسعا، وأن يقضي عنكما الدين، ويؤلف بين قلبيكما، ويجعل هذا المولود قرة عين لكما، وأن يختار لكما من الخير ما تقر به أعينكما في الدنيا والآخرة، إنه سميع مجيب.