السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أي شيء أبدأ فيه لا أكمله، هذه حياتي كلها، درست أشياء كثيرة، ثم توظفت، وبعد نجاحي هربت من الوظيفة ولم أكملها، وفعلت هذا مع وظائف عدة.
أيضا لم أتزوج، وأرفض الزواج تماما؛ لأنني لا أريد تحمل المسؤولية، رغم أنني جيدة جدا في تحمل المسؤوليات، وأتمها جيدا، وقد حدث هذا كثيرا في حياتي ونجحت فيها.
الآن أنا بلا وظيفة، ولا زواج، ولا أولاد، وأشعر بفراغ تام، وعمري تجاوز الأربعين، وأكره حياتي، وأتمنى الموت قريبا، حتى إنني أحب التصميم والكتابة، ولكني تركتهما أيضا كعادتي، ولا أحاول الرجوع إليهما.
لا أفكر في الانتحار؛ فأنا مؤمنة، ولا أيأس من روح الله أبدا، ولكني ضجرت من حياتي التي بلا هدف، ليس لأنه لا يوجد هدف، ولكن لأنني لا أتحرك، ولا أريد أن أتحرك وأحقق شيئا.
أجلس في عزلة عن كل من حولي، ومع هاتفي معظم الوقت، أتنقل فيه من موقع إلى فيديو، إلى أي شيء، حتى أضيع وقتي بلا هدف، سوى تضييع الوقت، وحتى هذا قد ضجرت منه.
أريد حلا ومساعدة، أريد من يشرح لي ما هذا الذي أنا فيه، وكيف أخرج منه! حتى إنني صرت أخاف الخروج خارج بيتي، وأصبح الأمر صعبا علي عند الخروج.
أرجوكم ساعدوني، فأنا في هذا السن، كيف أصبحت هكذا؟!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ نورا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على ثقتك بنا، وعلى شجاعتك في البوح بما تحملينه من ألم، فهذا البوح نفسه خطوة أولى نحو الخروج مما أنت فيه، ولست وحدك في هذا الشعور، فكثير ممن يملكون القدرة والكفاءة يقعون في دوامة مشابهة دون أن يفهموا سببها.
أولا: قبل كل شيء، أريد أن أتوقف عند عبارة كتبتها، وهي تمنيك الموت قريبا، وأقدر صدقك في توضيح أنك لا تفكرين في الانتحار، وأنك متمسكة برجاء الله، لكن هذا التمني في حد ذاته إشارة مهمة لا ينبغي التهوين منها، فهو يخبرنا أن الفراغ الذي تعيشينه أصبح ثقيلا جدا على نفسك.
لذلك أنصحك ألا تؤجلي زيارة طبيب نفسي مختص أو معالج سلوكي، فهذه الخطوة ليست ضعفا في الإيمان ولا نقصا في الشخصية، بل هي من الأخذ بالأسباب الذي أمرنا به ديننا، وإن شعرت في أي لحظة أن هذا الشعور يشتد أو يتحول إلى تفكير في إيذاء نفسك، فاطلبي المساعدة فورا ممن حولك أو من خط طوارئ في بلدك، فهذا حق نفسك عليك.
ثانيا: أما ما وصفته من نمط متكرر في حياتك، من بدء أشياء ثم هجرها فور اقتراب النجاح، سواء في الوظائف أو في مشروعي التصميم والكتابة، وكذلك رفضك الزواج رغم قدرتك الواضحة على تحمل المسؤولية، فهذا يشبه إلى حد بعيد ما يعرف في علم النفس بالخوف من النجاح أو الخوف من الالتزام، وهو ليس كسلا كما قد تصفين نفسك به، بل هو غالبا آلية دفاع نفسية تجعلك تهربين قبل أن يصل الأمر إلى مرحلة تشعرين فيها بثقل المسؤولية، أو احتمال الفشل، أو حتى النجاح نفسه، ومما يؤكد هذا أنك -كما ذكرت- تتقنين تحمل المسؤولية حين تباشرينها، فالمشكلة إذا ليست في القدرة، بل في اللحظة التي تسبق الاستمرار.
وقد وصفت أيضا عزلة متزايدة عمن حولك، وهروبا إلى الهاتف تنتقلين فيه دون هدف، وخوفا مستجدا من الخروج من المنزل أصبح يصعب عليك، هذه العلامات مجتمعة، الانسحاب الاجتماعي، والهروب إلى الشاشة، وتجنب الخروج، تستحق تقييما متخصصا دقيقا لا يمكن أن يقدمه لك موقع استشارات، لذلك أكرر أن زيارة مختص نفسي في القريب العاجل أمر مهم جدا في حالتك، وليس فقط خيارا إن احتجت إليه لاحقا.
ثالثا: من الجانب الإيماني: تذكري أن الله سبحانه لم يخلقك عبثا، وأن هذا الفراغ الذي تشعرين به هو في جوهره بحث عن معنى، والمعنى الحقيقي لا يوجد في الهروب بل في المواجهة الصغيرة المتكررة، قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.
فالله تعالى لا يطلب منك أن تحلي كل شيء دفعة واحدة، بل يكفيك أن تبدئي بخطوة واحدة صادقة كل يوم، وقد كان من هدي النبي ﷺ محبته للأعمال المستمرة ولو قلت، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ قال: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
هذا الحديث تحديدا يخاطب حالتك، فالمطلوب ليس أن تنجزي مشروعا ضخما دفعة واحدة، بل أن تعودي إلى التصميم أو الكتابة بجرعة صغيرة جدا، ولو خمس دقائق يوميا، دون أن تشترطي على نفسك الإتقان أو الاستمرار الطويل من أول يوم.
رابعا: أما فيما يخص الخروج من المنزل، فلا تجبري نفسك على قفزة كبيرة، ابدئي بخروج قصير جدا لهدف بسيط، كشراء حاجة صغيرة أو المشي دقائق معدودة، ثم زيدي تدريجيا، فالتدرج هنا أهم من السرعة، ومن الجميل أن يقال في مثل هذا المقام:
وإذا الحياة تنكرت فتجملي *** بالصبر إن الصبر خير مآل
خامسا: أختي الكريمة، لا تحاسبي نفسك بقسوة على ما مضى، فالفهم الحقيقي لسبب هذا النمط هو نصف الطريق للخروج منه، والنصف الآخر يبدأ بخطوة صغيرة اليوم، مصحوبة بمتابعة مختص يرافقك في الطريق.
أخيرا: نسأل الله أن يفرج عنك همك، وأن يشرح صدرك، وأن يعينك على أخذ الخطوة الأولى نحو الاستشارة المتخصصة، وأن يجعل ما بعد الضيق فرجا قريبا.
وبالله التوفيق والسداد.