السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنت شابا أعزب، ثم تزوجت امرأة مطلقة، مشكلتي أنني عندما اتخذت قرار الزواج كنت متسرعا، وأشعر اليوم أن قراري لم يكن ناضجا. زوجتي إنسانة طيبة، ولا أستطيع أن أقول عنها شيئا سيئا، لكن بعد الزواج اكتشفت أنني استعجلت في اتخاذ هذا القرار.
فمنذ فترة الخطبة وحتى الآن -أي منذ حوالي سنة ونصف- وأنا لا أشعر بالراحة والطمأنينة، وكنت أقول لنفسي: لعل هذا مجرد تردد وسيزول بعد الزواج، ولعل الله أن يجعل لي الخير والراحة بعده، ولكن حتى بعد الزواج ما زلت أشعر بنفس الضيق، وعدم الارتياح، وهذا ما زاد حيرتي.
أنا مؤمن أن كل ما يقع يكون بقضاء الله وقدره، لكن الذي يحيرني هو طريقة فهمي لهذا الأمر: هل ما حدث كان اختيارا من الله لي، أم أنه كان اختياري، وأنا مسؤول عنه، والله سبحانه وتعالى قدر وقوعه بعلمه ومشيئته؟
سؤالي: كيف أتعامل مع هذا الشعور؟ وهل استمرار عدم الراحة منذ الخطبة إلى الآن يدل على أنني أخطأت في الاختيار، أم أنه قد يكون ابتلاء، أو وساوس، أو ندما طبيعيا بعد اتخاذ قرار مصيري؟ وكيف أفرق بين هذه الأمور حتى لا أظلم زوجتي ولا أظلم نفسي؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابننا الفاضل- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام، والحرص على السؤال، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يقدر لك الخير، وأن يصلح الأحوال، وأن يملأ قلبك بالسكينة والطمأنينة، وأن يصلح لنا ولك البال.
لا يحدث في هذا الكون شيء إلا بأمر الله وقضائه وقدره؛ فالكون ملك لله، ولن يحدث في كون الله إلا ما أراده الله.
وأرجو أن نبني على عبارة جميلة قلتها عنها بأنها طيبة، وأنك لم تكتشف منها شيئا، فهذا الذي ينبغي أن تمضي عليه، وعليك أن تتذكر ما قاله ابن مسعود: "إن الحب من الرحمن، وإن البغض من الشيطان، يريد أن يبغض لكم ما أحل الله لكم"، فلا عيب في المرأة أن تكون متزوجة، وأن تكون ثيبا؛ فزوجات النبي ﷺ جلهن من الثيبات، وليس له بكر إلا أمنا عائشة -رضي الله عنها وعنهن وأرضاهن-.
وإذا كان للبكر ميزات، فإن للثيب أيضا ميزات، من حيث: تمسكها ببيتها، وما عندها من الخبرات، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينك على السير في إعطاء هذه الزوجة حقها، وإعطاء النفس حقها، وتعوذ بالله من شيطان همه أن يحزن أهل الإيمان.
كل شيء يحدث في هذا الكون بتقدير الله، ومشيئته، وعلمه -سبحانه وتعالى-، والخير في الذي يقدره الله، والمؤمن ينبغي أن ينظر كما قال عمر بن عبد العزيز: "كنا نرى سعادتنا في مواطن الأقدار"، أي فيما يقدره الله من أقدار، وقال عمر بن الخطاب: "لو كشف الحجاب ما تمنى الناس إلا ما قدر لهم".
والإنسان هو الذي يختار، ولكن في إطار المشيئة الإلهية: {لمن شاء منكم أن يستقيم}، قال العظيم: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين}، فالمؤمن يوقن أن الذي يقدره الله -تبارك وتعالى- هو الخير، وأن الذي يختاره الله -تبارك وتعالى- للإنسان أفضل مما يختاره الإنسان لنفسه.
ولذلك لا تنزعج لهذا الأمر طويلا، واجتهد في أن تقوم بما عليك تجاه هذه الزوجة التي أشرت إلى أنها طيبة، وأنك لا تتخذ عيبا فيها، ولكن تشعر أنك استعجلت في اتخاذ هذا القرار.
يبدو أنك متأثر بما هو عليه الواقع، ربما هناك من قال لك: لماذا لا تختار بكرا؟ ولماذا كذا؟ والصحابي جابر -رضي الله عنه- الذي اختار ثيبا لتكون أما لأخواته، وزوجة له -رضي الله عنه وأرضاه-، وهذا يبين ويشير إلى أن للزواج أغراضا كثيرة، ولكن المهم في العلاقة الزوجية هو أن يوجد الحب، والحب لا يعرف هذه العلاقات، لا يعرف الكبير والصغير؛ لأن الحب تتلاقي فيه الأرواح، والأمر كما قال النبي ﷺ: الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، والإنسان يتزوج ليرضي نفسه، ولا يتزوج ليرضي غيره، أو ليرضي مجتمعه، أو يكف كلام الناس.
لذلك أرجو أن تؤسس على قناعاتك الجميلة التي بدأت بها حياتك، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجمع بينكم في الخير، وأن يعينكم على الخير.
وبالله التوفيق والسداد.