السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أسأل الله أن تكونوا في حال طيبة.
لدي سؤال وأرجو منكم الإفادة، -وفقكم الله- أسأل عن أسباب عدم توفق العبد في السعي، مثلا: في الدراسة، أو تعلم حرفة، أو طلب العلم، ونحوه، وهنا أتحدث عن مرحلة السعي، وبذل السبب، وليس النتيجة؛ فالنتيجة لا شك أن العبد ليس مسؤولا عنها، بل هو مسؤول عن السعي، ومطالب به، وهذه مشكلتي دائما.
إذا سلكت طريقا ألتمس فيه النفع لا أوفق في بذل السبب، ولا أسدد فيه، وهذا لا يعني أنني لم أسع مطلقا، بل أشرع، ولكن أثناء السعي أفشل، وأقصر، دون القدرة على التحكم في ذلك، رغم محاولتي التسديد والمقاربة ما استطعت.
ورغم أن الطريق واضح، والخطة واضحة، ومفاتيح النجاح في ذلك الطريق وأسراره واضحة جدا، إلا أنني لا أوفق في استغلالها، ولا أدري ما السبب، مما سبب لي الفشل الذريع في كل محاولة، والتعطيل في سائر الأمور التي أقبل عليها؛ ليس فقط في طريق واحد، بل كلما يئست من طريق، والتمست في ذلك الخيرة، وغيرت الهدف إلى هدف آخر لعلي أوفق فيه، لا أوفق، وأفشل مرة أخرى، وفي كل مرة يحدث ذلك.
كل الأبواب سدت، والوقت يضيع، وأنا لم أحصل علما، ولا حرفة، ولا أي عمل متقن أنتقع به، في حين أن أقراني مقبلون على التخرج، والعمل، والزواج، وأنا لا زلت في نفس النقطة لم أتقدم شبرا، والذين من دوني في العمر سبقوني، أنا لا أحسدهم، ولكنني أشعر بالتأخر.
أجد الكثير من الطلاب، أو عامة الناس يسعون ويتقنون في سعيهم، ثم تأتي النتيجة كما أرادها الله تعالى، ولا اعتراض على أمره.
الآن ليست مشكلتي في تحقيق النتيجة بعينها، بل أريد أن أوفق في السعي، وإتقانه، وبذل الأسباب، والإتيان بها كلها، ولا شك أن التقصير وارد، ولكن ليس بالقدر الذي يخل بالنتيجة.
أريد فقط أن أوفق في بذل الأسباب، ولا أدري سبب عدم التوفيق لذلك، وفساد الرأي في كل محاولة، رغم أنني فتاة عادية، أذنب وأتوب، وأستعين بالله، وأدعو، وأستغفر، ولكنني أفشل في كل مرة، وهذا ما دعاني إلى جلد ذاتي، ولوم نفسي في كل مرة؛ فأقول: أنا المسؤولة، وأقارن نفسي بغيري؛ فهؤلاء بذلوا فنجحوا، وأنت قصرت ففشلت، ولكن الأمر خارج عن سيطرتي.
بحثت كثيرا، وقرأت في كتب المتقدمين والمتأخرين، وسمعت أشرطة، واستشرت لعلي أجد حلا، ودعوت الله، فاستبطأت الإجابة، والوقت يمضي، وأنا الآن أدرس تخصصا لا أريده، وأنا غير متمكنة فيه، فغالبا سأقبل على التدريس، ولكنني لست أهلا لذلك، وأريد أن أتخرج بمعدل جيد؛ لأن التخصص سهل، ويمكن التفوق فيه علميا.
بوركتم، ووفقكم الله.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم عمر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
غالبا ما يكون حكمنا على أنفسنا بالتوفيق من عدمه، وبالنجاح أو الفشل، أمر نسبي غير مطلق، يتحكم في دقته إلى طبيعة المعيار الذي نضعه لأنفسنا، ومستوى مثالية شخصياتنا، أو واقعيتها؛ فالشخصية المثالية تميل غالبا إلى جلد ذاتها، والتنكر لكل منجزاتها، بينما تميل الشخصية المضادة إلى الابتهاج بما يعده غيرها فشلا لا نجاحا.
هذه المقدمة -أختي الكريمة- لا أقولها من منطلق معارضة وصفك لنفسك، وإنما لدعوتك إلى مراجعة حكمك على ذاتك، وتقييمك لشخصيتك، وسعيك، فربما كان هناك شيء من الانتقائية لجوانب الإخفاق في سعيك، جعلك تشعرين بأن الصورة قاتمة، وهي ليست كذلك.
ومما يجدر التنبيه له هنا أن الإنسان بعد أن يضع نفسه في إطار ما، فإنه ينحصر فعلا داخل هذا الإطار، ويصبح نسخة من الصورة التي رسمها لنفسه، حتى وإن كانت هذه الصورة خاطئة، ولا تعبر عن شخصيته الحقيقية؛ لأنه عمليا قام بعملية استبدال الصورة الحقيقية بصورة أخرى أصبحت هي الأصل، وأصبح أسيرا لها.
حياة الناس مليئة بالصواب والخطأ، بالنجاح في السعي والفشل فيه، بتلمس المسارات الصائبة والضائعة منها، بالعزيمة والضعف، ونحن جزء من هذا العالم، وجزء من هؤلاء الناس، ومع ذلك فلا بأس من مراجعة النفس، ومراجعة وسائلنا الشرعية، والحياتية؛ فقد يكون خطأ ما، أو خلل متكرر يؤدي بنا إلى ما تفضلت به.
وبناء على ما سبق أسوق لك بعض الأمور التي تحتاجين أن تحكمي عليها بنفسك؛ لتحددي ما ترينه منطبقا على حالتك من عدمه:
1. الأسباب الشرعية: البركة، والتوفيق، والسداد عطايا ربانية يهبها الله غالبا لمن راعى حقه في التقوى، وحسن التعبد له، وابتعد عن كل ما يخرم قارب نجاته من الذنوب والمعاصي، وخاصة ما كان منها كبيرا أو دائما، والتعامل مع الله لا يكون من باب انتظار المجازاة المباشرة، والشيء بالشيء؛ وإنما من باب التعبد الأصلي ابتداء، ثم يأتي فضله سبحانه متى ما شاء، وعلى الكيفية التي يشاء (وكل شيء عنده بمقدار)، (وهو الحكيم الخبير).
ويدخل في الأسباب الشرعية لزوم الدعاء بالسداد، مع كمال التسليم لله بما يقدره ويقضيه، كما يدخل في ذلك كثرة الاستغفار والذكر؛ فإنه من أبواب السعة والتوفيق، قال تعالى: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) (نوح 10-12)، والكلام في هذا الجانب يطول، ولا أظنك قد قصرت في الاطلاع على ما يعزز لديك مثل هذا المعاني الهامة.
2. الأسباب الحياتية والمهارية: ويأتي على رأس هذه الأسباب حسن إدارة الذات من خلال مهارت متعددة، من أهمها: مهارة التركيز، والتي غالبا ما يعاني الكثير من الناس من الفشل بسبب ضعف التركيز لديهم فيها؛ فحالة الشتات التي أصبحت تحيط بنا بسبب نمط الحياة الحديث، وصخب التقنية، أوجد لدينا حالة من الضياع، وعدم التركيز، كما أوجد ضعفا في صلابتنا وقدرتنا على الصبر والثبات على ما نختاره من وسائل للوصول إلى أهدافنا، وقد قيل قديما: "من ثبت نبت".
ومن ضمن هذه الأسباب الحياتية أمور قد تبدو تافهة، أو صغيرة، ولكنها تؤثر على أدائنا تأثيرا بالغا، وهي تلك العادات اليومية الصغيرة: كالنوم، والأكل مثلا؛ فهي ذات تأثير بالغ على مستوى أدائنا، واستقرارنا النفسي والذهني.
3. أسباب ذاتية واجتماعية: قد يكون -أختي الكريمة- من بين الأسباب التي تمس حالتك أسباب أخرى متعلقة بنمط شخصيتك؛ ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر التردد، أو كثرة الاستشارة، أو التأثر بكلام الناس، أو عدم الخصوصية في حياتك، وإفشاء كل ما تنوين القيام به، وكثرة الحديث عنه؛ فهذه الأشياء مؤثرة على سعينا، وقد ورد في بعضها نصوص شرعية واضحة، فإنما تكون الاستعانة على قضاء الحوائج بالكتمان، وللاستشارة وقتها وأشخاصها، إن أبقيناها مفتوحة فسد الرأي، وحصل التذبذب في المواقف، والشتات في الذهن، قال تعالى: "فإذا عزمت فتوكل على الله".
وقد يكون الأمر على الضد تماما؛ فيكون الاعتداد الزائد بالرأي، والإعراض عن خبرات الناس، وتجاربهم، وأرائهم هو السبب في سلوك طرق خاطئة، أوعدم القدرة على الثبات عليها، ولذلك أنت الأقدر على تشخيص ذاتك، ومن ثم أخذ الحل الأمثل لمشكلتك وشخصيتك، ويكون ما طرحناه عليك هو نوع من المساعدة لك في الوصول إلى تقييم حقيقة المشكلة، وسبل الوصول إلى حلها.
وقبل أن أختم استشارتي هذه، أود أن أؤكد لك على معنى لا أظنه يفوتك، ولكن لا بأس من التذكير به: وهو أن العنت، وعدم تيسر الأمور ليس بالضرورة دلالة سوء؛ بل قد يكون نوعا من الابتلاء الذي يرفع الله به الدرجات، والضابط في ذلك هو استنفاد الوسع، وبذل الجهد، واستيفاء الأسباب الحياتية والشرعية، وكل ما يكون بعد ذلك هو في دائرة الخير -إن شاء الله-، فصور الابتلاء تتعدد، وحكمة الله قد تخفى علينا،"وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر فإذا أغنيته أفسدته، وإن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى فإذا أفقرته أفسدته"، (والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
أسأل الله أن يفتح لك أبواب الخير، وأن يبارك لك في عمرك، وجهدك، وسعيك.