السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب عمري 19 سنة، طالب في الهندسة المدنية، أبي دائما يتخذ قرارات في حياتي، مع العلم أنني أصبحت إنسانا واعيا، وأيضا يقوم بتوبيخي أمام الناس، ولا يهم أين يكون ذلك، سواء في السوق، أو في المسجد، أو في البيت، فهو دائما ما يقوم بإهانتي أمام الناس، وقد تسبب ذلك لي في مشكلات نفسية، وبدأ الشيطان يكرهني في أبي.
وفي يوم من الأيام فكرت في الانتحار؛ لأنني تعبت من تصرفات أبي، فمشاكلي في الدنيا كلها بسبب أبي، ولقد فرق بيني وبين صديقي ورفيقي، وهو شخص محترم ولا يسبب مشاكل، لكن أبي لم يعجبه، فكلما تعرفت إلى صديق يقوم بطرده مني، ويقول لي: لا تتكلم معه أبدا.
لقد تعبت منه ومن التصرفات التي يفعلها، فماذا أفعل في هذه الحالة؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك -أخي الكريم- في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويهدي قلب والدك لك، ويصلح ما بينكما، ويجعل لك من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا.
نحب أن نبدأ أولا بالإشارة إلى أن في حياتنا ودوائر علاقاتنا أشخاصا يكون وجودهم قائما على اختيارنا، كالأصدقاء أو الزوجة أو من يشبههم، وهناك أشخاص آخرون يكون وجودهم في حياتنا قدرا لا اختيارا لنا فيه، كالوالدين والإخوة.
فما كان لنا الخيار في وجوده أو عدمه -كالأصدقاء والزوجة ونحوهم- فنحن قادرون على التمسك به أو التخلي عنه، أما ما كان من قدرنا -كالوالدين والإخوة- فيلزمنا فيه إدارة العلاقة معه قدر المستطاع بالأساليب المختلفة.
وفيما يخص العلاقة مع الوالدين؛ فهي علاقة ذات خصوصية عالية، لا يخفاك حساسيتها الشرعية وخطورة مسها بسوء أو تقصير أو عقوق، حتى وإن كان الوالدان أو أحدهما على درجة ما من الصعوبة في التعامل أو القسوة في الأسلوب، بل حتى وإن حاولا إجبارك على التقصير في حق الله سبحانه وتعالى، فإن ذلك لا يضيع حقهما عليك، فيكون رفض التفريط في حقه سبحانه ولا شك، ولكن دون المساس بحقهما كذلك، قال تعالى: {وإن جاهداك علىٰ أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ۖ وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15].
إن هذا الاستحضار الدائم لهذا القدر العالي للوالدين لا تأخذه على أنه سيف مسلط على رقبتك، يقلقك ويزعجك، وإنما خذه على أنه ميدان صبر وأجر، فالجهد فيه غير ضائع، والصبر فيه من أعلى درجات الصبر الذي يقابل بأعلى درجات الأجر.
وفيما يتعلق بما تفضلت به من معاناة مع والدك، فإني أحب تلخيص مشورتي لك في النقاط التالية:
أولا: العلاقة مع الوالدين علاقة عكسية، فكمال ضعفك يكون عند كمال قوتهم، وكمال قوتك تكون عند كمال ضعفهم، وهذا يعني أن الوقت في صالحك؛ وما تعاني منه اليوم لن تعاني منه غدا، ذلك أن حالة "التسلط" التي وصفتها في الغالب لن تدوم كثيرا، فأنت لن تبقى ذلك الشاب المكفول من والدك والذي يعيش في بيته، بل سوف تتخرج من جامعتك وتستقل ببيتك ووظيفتك ودخلك، وكل هذا سيخفف مما تعانيه بقدر كبير.
وفي المقابل، يكبر العمر بوالدك، فتتغير طباعه، وتضعف سطوته، ولربما انقلبت القسوة لينا، والشدة رحمة، وهكذا هو الإنسان، قال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} [الروم: 54].
ثانيا: حالة الغضب المتكررة التي يبديها الوالد قد تخفي وراءها انزعاجا من سلوك دائم لديك، أو تقييما سلبيا لك في أمر ما، وهو ما يجعله في حالة تحفز لأي خطأ تقوم به ولو كان صغيرا، فينفعل دون مراعاة لأي اعتبار، ويقع في تكبير بعض الأخطاء الصغيرة.
راجع نفسك، وفكر في السبب الحقيقي لكل هذا الاحتقان منه تجاهك، وهل هو طبع دائم له معك ومع غيرك من إخوانك، أم أنه انفعال خاص معك أنت تحديدا، فهذا سيساعدك في تقييم الموقف والتعامل معه.
ثالثا: من الأمور الشائعة بين الكثير من الآباء والأبناء هو ضعف التواصل بينهما، رغم حياتهم في بيت واحد، فلا حوارات مشتركة ولا استشارات متبادلة، بل حياة قائمة على الحقوق والواجبات، تضعف فيها العاطفة، ويرتفع فيها التلاوم، ولذلك من المهم أن تراجع تصرفاتك مع الوالد، ومحاولة كسبه قدر المستطاع.
حاول أن توجد نقاطا مشتركة بينكما، استشره في بعض أمورك، فهذا يعزز لديه الشعور بالمرجعية، أظهر إعجابك ببعض تصرفاته، فقد يدفعه ذلك إلى إظهار الإعجاب ببعض مزاياك، وتذكر دائما أن المشاعر التي تحملها في قلبك تجاهه -سلبا أو إيجابا- تنتقل إليه، وترتد عليك بصورة أو أخرى، من حيث تشعر أو لا تشعر.
رابعا: ذكرت أنك بدأت تكره والدك، وهو أمر يحتاج منك إلى وقفة، فتعامل والدك معك ليس محصورا في تلك المواقف الحادة التي يعاملك بها ما بين كل فترة وأخرى، وإنما تعامله معك بدأ منذ ولادتك، إن السنين الطويلة التي رعاك فيها والدك: طعاما وشرابا وصحة وتعليما، لا يمكن أن تختزلها وتختصرها كلها في عشرات المواقف الحادة بعد ذلك.
واستحضارك لكامل المشهد يخفف عنك جزءا من الضغط الذي تجده تجاهه حاليا، وهو توجيه رباني جليل لا يجعلنا نستغرق في مشاعر اللحظة الحاضرة السلبية بعيدا عن سياقاتها التاريخية الإيجابية، قال تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24].
خامسا: أما موضوع الانتحار، فلست أدري ما أقوله لك فيه، فما كان لشاب متعلم طموح مثلك أن يفكر فيه أو أن يخطر له على بال! شاب يعلم أن حياته كلها لله، هو مالكها وهو المتصرف فيها، لم يكن لنا القرار في بدئها، وليس لنا القرار في إنهائها! شاب يعلم أن الانتحار سوء ظن بالله سبحانه وتعالى، الفارج للهم، الكاشف للغم، المثيب على البلاء، المعوض على كل كرب في الدنيا بالأجر العظيم في الآخرة.
الانتحار هو خيار أولئك الذين لا يؤمنون بالله ربا رحيما، ولا يوقنون بوجود حياة أخرى نجازى فيها على أعمالنا، يظن المنتحر أنه قد وضع حدا لمعاناته في الدنيا، ولا يعلم أنه بانتحاره أطلق صافرة البدء لمعاناة عظيمة في الآخرة، معاناة هو من رسم ملامحها، واختار أدواتها، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة.
ولا أظن أن كلامك عن الانتحار إلا تعبيرا عن مستوى الانزعاج والهم الذي وصلت له، لا على أنك تقصد فعلا حرفية الانتحار وإزهاق روحك يأسا من رحمة الله، والعياذ بالله.
وختاما أخي الكريم، في مواجهة متاعب الحياة تضعف نفوسنا، وترهق أرواحنا، فإن لم يكن لها زاد من سجدة في جوف ليل، أو دعوة على سجادة صلاة، أو خلوة مع جلال الله عز وجل، فإن نفوسنا ستتعب، وأرواحنا ستكل، وقلوبنا ستمرض، فلا تقصر مع نفسك في أخذ زادك من الله، فلا أشقى من شخص اختار أن يواجه صعوبات الحياة بعيدا عن الله.
وفقك الله لكل خير، وألان قلب والدك لك، وجعلك راضيا مرضيا.