كيف أتصرف بعد انتهاء علاقة كنت أنوي أن أختمها بالزواج؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

كان بيني وبين فتاة علاقة عاطفية منذ أن كنا أطفالا، عندما كنا في سن الثانية عشرة تقريبا، ومع أننا كنا أطفالا في ذلك الوقت، إلا أنني كنت معجبا بها لدرجة أنني اكتفيت بها، ولم أبحث عن غيرها، واستمرت علاقتنا 6 سنوات ونصف -أي من سن 12 حتى 18، وقد واجهنا بعض التوترات، وتخطيناها، ومررنا بجميع الحالات السعيدة والمحزنة معا، وكنا قريبين جدا من بعضنا البعض.

في فترة من الفترات تغيرت عليها؛ بسبب بعض الأفكار السلبية في رأسي؛ حيث كنت أظن أنها لم تعد تحبني كما كان في السابق، وما شابه ذلك، فتغيرت عليها تغيرا شديدا، وأصبحت الطرف الذي لا يراسل أولا، وتمر فترات بالأسابيع والشهور لا أسأل عنها، وقد كانت تحاول معي أكثر من مرة، ولكنني في تلك الفترة كنت معميا بأفكاري، ووساوس الشيطان، حتى فقدت الأمل بي، وتركتني، وهي -والله- شاغلة بالي منذ ذلك الوقت؛ لأنني لم أفكر بنية سيئة قط تجاهها، ونيتي حتى اليوم هي الزواج بها.

بعد فترة اقتنعت أن هذا الفعل والعلاقة بيننا كانت حراما من ناحية المحادثة والكلام، ولكنني ما زلت أريد الزواج بها، والتوبة عن سنوات الكلام والدردشة في الماضي.

سؤالي هو أنني أخاف أن تخطب الفتاة لغيري، وأنا لست مستعدا ماديا بعد؛ نظرا لصغر سني، وأخاف ألا ترضى بي بعد هذه الفترة، وأكون بانيا للأحلام فقط، وأخاف أيضا أن تكون قد كرهتني، أو تخطت علاقتنا ونسيتها، أو أنها في الوقت نفسه ما زالت تنتظرني للحديث معها.

عندما أقرر الإرسال لها أمتنع؛ لأن هذا باب من أبواب الشيطان أفتحه على نفسي، وفي الوقت نفسه تمنعني نفسي عن الإرسال بسبب مخاوفي التي ذكرتها أعلاه، فماذا أفعل؟ هل أرسل لها اعتذارا، وأقول لها: إنني سأتقدم لها عند مقدرتي، أم لا أرسل من الأصل، والمكتوب هو الخير؟ علما بأنه قد مرت سنتان، بدون كلام ولا سلام بيننا، ولكنني لا زلت أفكر فيها طوال هذه الفترة.

وجزاكم الله خيرا، ونفعني وإياكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Mohamed حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

بارك الله فيك، وشرح صدرك للحق، وأحسن عاقبة أمرك، وأسأل الله تعالى أن يرزقك الزوجة الصالحة، وأن يجمع بينك وبين الخير حيث كان، وأن يعوضك خيرا في دينك ودنياك.

بداية: لفت انتباهي في رسالتك أمران يدلان على خير فيك:

- أولهما: أنك لم تعد تنظر إلى تلك العلاقة بعين العاطفة فقط، بل بدأت تراجعها من منظور شرعي، وأدركت أن ما كان بينكما من المحادثات، والعلاقة الخاصة خارج إطار الزواج لا يوافق هدي الإسلام، وهذه مراجعة مباركة؛ فالتوبة تبدأ من معرفة الخطأ، والرجوع عنه.

- وثانيهما: أن نيتك -كما ذكرت- لم تكن العبث أو التسلية، وإنما كنت ترى الزواج غاية لهذه العلاقة، وهذا يخفف من جهة القصد، لكنه لا يغير الحكم الشرعي للطريق الذي سلكتماه.

أخي الكريم: العلاقات العاطفية بين الشاب والفتاة خارج إطار الخطبة والزواج، ولو بدأت في سن صغيرة، ليست من الطريق الذي ارتضاه الله تعالى لعباده؛ لأن الشريعة جاءت بحفظ القلوب قبل الأعراض، وسد الأبواب التي تفضي إلى التعلق والفتنة؛ قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الإسراء: 32]، ولم يقل: ولا تزنوا؛ لأن النهي يشمل كل طريق يقود إلى الحرام، ومن ذلك الاسترسال في العلاقات الخاصة، والمحادثات العاطفية التي تتعلق بها القلوب، ولذلك فإن ما تشعر به اليوم من تعلق شديد، وحيرة، وخوف، وانتظار، هو في جانب منه ثمرة طبيعية لعلاقة امتدت سنوات طويلة، فأصبح القلب متعلقا بالشخص أكثر من تعلقه بالطريق المشروع.

وأود أن ألفت نظرك إلى أمر مهم، وهو أنك اليوم لا تتعامل مع واقع، وإنما مع احتمالات كثيرة؛ تخشى أنها تزوجت، وتخشى أنها كرهتك، وتخشى أنها ما زالت تنتظرك، وتخشى أن يسبقك إليها غيرك، كل هذه الظنون لا تملك عليها دليلا، وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: 12] والانشغال بهذه الاحتمالات يرهق القلب، ولا يغير شيئا من الواقع.

أما شعورك بالندم على تقصيرك معها في آخر العلاقة، فهذا إن كان يدفعك إلى مراجعة نفسك، وتحسين أخلاقك، فهو ندم محمود، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى جلد دائم للنفس، أو إلى تعليق حياتك كلها على الماضي؛ فكل إنسان يخطئ، والعاقل من يتعلم من خطئه.

والآن: هل تراسلها وتعتذر، وتخبرها أنك ستتقدم لها عندما تقدر؟
الذي أراه -ما دمت غير قادر حاليا على التقدم الرسمي- أن الأولى ألا تعود إلى فتح باب التواصل من جديد؛ لأن هذا الباب الذي أغلق منذ سنتين، قد يعيد المشاعر والتعلق من جديد، وربما يفتح عليكما بابا من الانتظار الطويل، أو المراسلات التي لا تثمر زواجا في الوقت الحاضر، فيعود كل منكما إلى دائرة تعلق نهى الشرع عنها.

أما إذا أصبحت قادرا على الزواج، وغلب على ظنك أنك ستتقدم خلال مدة قريبة، فلا حاجة إلى إعادة علاقة أو محادثات خاصة، بل اسلك الطريق الذي شرعه الله تعالى، فتقدم إليها من بابها، وعن طريق وليها، فإن كانت من نصيبك يسرها الله تعالى لك، وإن لم تكن كذلك علمت أن الله تعالى اختار لك ما هو خير.

وأحب أن أطمئنك إلى أمر يغفل عنه كثير من الشباب، وهو أن من كانت من نصيبك فلن يأخذها غيرك، ومن لم يكتبها الله تعالى لك فلن تنالها مهما فعلت وتعلقت بها، قال النبي ﷺ: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك." رواه الترمذي، وهذا لا يعني ترك الأسباب، بل يعني أن تبذل السبب المشروع ثم ترضى بما يقضي الله تعالى لك.

ولهذا أوصيك عمليا بعدة أمور:
• جدد توبتك إلى الله تعالى من العلاقة السابقة، وأكثر من الاستغفار، وأحسن الظن بأن الله سبحانه يقبل التائبين.
• لا تعد إلى المراسلات العاطفية، أو فتح باب التواصل ما دمت غير مستعد للتقدم الرسمي.
• اجعل همك في هذه المرحلة إعداد نفسك للزواج؛ بإكمال دراستك، وبناء مستقبلك، والسعي إلى الاستقرار المالي، فهذه أسباب مأمور بها.
• إذا تيسر لك الزواج مستقبلا، فتقدم رسميا، ولا تجعل الخوف من الرفض يمنعك من اتخاذ السبب المشروع.
• إن لم تكتب لك، فلا تجعل حياتك تتوقف عند تجربة واحدة، فقلوب العباد بيد الله تعالى، والخير قد يكون فيما لم تتوقعه.
• أكثر من الدعاء المشروع: "اللهم إن كانت هذه الفتاة خيرا لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاقدرها لي ويسرها لي، وإن لم تكن خيرا فاصرفها عني، واصرف قلبي عنها، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به."
• أشغل قلبك بما ينفعه من القرآن، والذكر، وصحبة الصالحين، والعمل النافع، فإن الفراغ يغذي التعلق، أما القلب إذا امتلأ بطاعة الله تعالى ضعف سلطان الذكريات عليه.

وأخيرا -أخي الكريم-: أرى في رسالتك صدقا في الندم، وحرصا على أن يكون مستقبلك موافقا لشرع الله تعالى، وهذه بداية طيبة، فاجعل الماضي موضع توبة واعتبار، لا موضع إقامة دائمة، وإن كان الله تعالى قد كتب لك هذه الفتاة زوجة، فسيجمع بينكما بالطريق الحلال، وفي الوقت الذي يقدره سبحانه، وإن صرفها عنك، فثق أن الله تعالى لا يمنع عن عبده المؤمن شيئا إلا ليعطيه ما هو خير له، وإن خفي ذلك عليه في أول الأمر.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويطهر قلبك، وييسر لك الحلال، ويصرف عنك الفتن، وأن يرزقك الزوجة الصالحة التي تكون عونا لك على طاعته، وأن يقدر لك الخير حيث كان ثم يرضيك به.

مواد ذات صلة

الاستشارات