السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا مريض وسواس منذ مدة طويلة، وقد سبب لي أمراضا جسدية؛ من ألم في الرأس، وإرهاق، والقولون العصبي، لكنني أريد سؤالكم للتأكد من شيء كان قد جاء فجأة في عقلي.
الآن أنا شخص قد أنوي فعل أمر أحسن به من نفسي مثل الرياضة، فيأتي أحد مثل الوالد وينصحني بأنه يجب علي أن أقوم ببعض الرياضة، وأنا متفق معه تماما، لكنني لا أقوم بها فور إخباره لي، بل أقوم بتأجيل ذلك لسبب أني أرغب في البدء من تلقاء نفسي، لا أريد أن أبدأ لأن أحدا قال لي الأمر، بل لأن نفسي هي من قررت بنفسها ذلك؛ لكي أحس بالإنجاز، ولا أشعر أن لأحد الفضل علي.
ربما لأني أعاني من قلة التقدير النفسي، وأريد فعل أمر أشعر فيه بالتقدير لنفسي وإثبات ذاتي، لكني أبدأ بالتفكير: أليس هذا من الكبر؟ فأخاف، ولا أقوم بالرياضة أو بالأمور الأخرى، مع أني لا أحتقر الناس، ولا أكذب نصحهم، وأتفق معهم، لكني لا أريد البدء لأن أحدا يجرني، بل لأني سحبت نفسي بنفسي.
هناك حالات كثيرة قام عقلي فيها بإخباري بأمور مثل هذه، سببت لي مثل هذا النوع من الحيرة، والتي أفهم بعد مدة أنها لم تكن ضرورية، لكنها مرعبة، فأتذكر أنه لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولهذا فإن مثل هذه الأفكار لا يمكن تجاهلها.
فأريد رأيكم: هل هذا كبر؟ وماذا علي أن أفعل؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الصمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك في استشارات إسلام ويب.
أولا: الحمد لله على حرصك، واهتمامك بأمور دينك، وتحري الصدق والإخلاص في عباداتك وعاداتك.
ثانيا: بما أنك تعاني من الوسواس القهري مدة طويلة، فإن ما يعرض عليك من أفكار يدخل في إطار الوساوس، ولو أنها جاءت بصورة مختلفة، فأصبحت هنالك صور متعلقة بأن تلقي الأوامر والإرشادات من الآخرين يؤثر على الثقة بالنفس، ويضعف دافع الإنجاز، ولذا ينبغي عدم الأخذ بهذه الأوامر أو الإرشادات، هذا كما تقول الفكرة الوسواسية.
والصورة الثانية هي: أن عدم الأخذ بهذه الأوامر والإرشادات يعد نوعا من التكبر، والتكبر مذموم، وقد يؤدي إلى عدم دخول الجنة؛ كما جاء في نص الحديث.
فالصورتان تندرجان تحت مرض الوساوس القهرية، الأمر الذي يؤدي إلى الشعور بالضيق، والقلق، والتوتر، والدخول في دائرة مغلقة لا يستطيع الفرد الخروج منها.
للخروج من هذه الدائرة أولا نقول لك: فليكن لك ميزان تقيس به الأشياء بحسب المصلحة، فاجعل كل ما يقدم لك من نصائح وإرشادات أنه يصب في مصلحتك، ولو أنك تعي وتعلم تماما فوائد هذه الإرشادات والنصائح قبل أن يدلي بها الآخرون، بل اعتبر ذلك تأكيدا لما تنوي به، بل اجعله يعزز رغبتك ودافعيتك للقيام بالأعمال التي تريدها، فالمسلم يتلقى النصح من الآخرين، وليس ذلك عيبا أو نقصا، وإنما استكمال لما لديه من صفات حسنة مرغوبة.
ثانيا: نريد منك أن ترجع إلى نص الحديث النبوي الشريف، ومعرفة معنى الكبر بصورته الدقيقة، فقد عرفه النبي ﷺ تعريفا جامعا في الحديث الصحيح الذي يقول فيه: الكبر بطر الحق، وغمط الناس (رواه مسلم)، ومعنى ذلك: (بطر الحق)، أي: رد الحق عندما يظهر للإنسان بسبب التعالي، أو الشعور بأنه لا يحتاج إلى من ينصحه، فقد يعرف الإنسان الصواب، ولكنه يرفضه؛ لأن القائل أصغر منه أو أقل منه مكانة، و(غمط الناس)، أي: احتقار الناس والتقليل من شأنهم، والنظر إليهم باستعلاء، فهل هذه المعاني تنطبق عليك حرفيا؟ أرى أن الأمر لا يكون كما تعتقد.
ومن المهم التفريق بين الكبر والثقة بالنفس أو الاعتزاز بالنعمة، أن يعرف الإنسان قدر نفسه، ويشكر الله على ما لديه، ويجتهد في الخير له وللآخرين، فإن ذلك ليس كبرا، وأن يرى نفسه أفضل من الآخرين، أو يرفض النصيحة، أو يحتقر الناس، هو الكبر المذموم، والله أعلم.
فيا أخي الكريم، نرجو منك ألا تنتبه أو تركز كثيرا على هذه الوساوس أو هذه الأفكار الوسواسية، فامض في طريقك دون أن تلجأ لمثل هذه الوساوس، بل حقرها وتفهمها وتجاهلها تماما، وافعل كما تريد في نشاطاتك الحياتية والأخروية، والله الموفق.