أشعر بالوحدة والضيق وتقلبات في مزاجي، فما تفسير هذه الأعراض؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني منذ أربع أو خمس سنوات من مشكلة نفسية، أثرت كثيرا في حياتي، بدأت معاناتي بفقدان شديد للثقة بالنفس؛ بسبب إصابتي بحب الشباب، وأصبحت ألوم نفسي كثيرا، وأشعر بالدونية.

عندما كنت في المرحلة المتوسطة أصبت بالوسواس القهري في أمور الدين، ولكن -بفضل الله- تعافيت منه.

منذ نحو ثلاث سنوات اشتدت معاناتي بشكل كبير، حتى أصبحت تراودني أفكار بإنهاء حياتي في تلك الفترة، ثم خفت تلك الأفكار، لكن بقيت الأعراض مستمرة إلى الآن.

أشعر باستنزاف شديد في طاقتي، وتقلبات حادة في المزاج، وفقدان كامل للشغف، وأؤدي واجباتي بصعوبة وكأنني مجبرة عليها، كما أشعر بوحدة شديدة، وأنني غير مهمة لأحد، ويأتيني بكاء شديد ومتكرر، ويزداد الضيق في أوقات معينة، خاصة في نهاية كل أسبوع، وأشعر بفراغ كبير، وأن الحياة أصبحت مظلمة ومملة.

كما أنني أصبحت أتعلق بالأشخاص بسرعة، وأتأثر جدا إذا شعرت بقلة اهتمامهم أو ابتعادهم عني، ويؤلمني ذلك بشكل كبير.

علما أنني كنت أعاني سابقا من تكيس المبايض، وقد تلقيت العلاج له.

سؤالي: ما التفسير الأقرب لهذه الأعراض؟ وهل هي اكتئاب، أم اضطراب نفسي آخر، أم قد تكون أكثر من حالة؟ وهل أحتاج إلى مراجعة طبيب أو طبيبة نفسية؟ وما النصائح الشرعية والنفسية التي تنصحونني بها؟

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ وئام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب.

بداية: نسأل الله تعالى لك الشفاء والعافية، وأن يصرف عنك كل سوء ومكروه.

ووصفك لحالتك بهذا الوضوح يدل على مدى وعيك بحالتك، وهي خطوة مهمة جدا في طريق التخلص من هذه الحالة وعلاجها -بإذن الله تعالى-.

ونصحيتنا لك أن تأخذي بالأسباب؛ فإن الله تعالى لا يقدر على الإنسان شيئا من المكروه إلا ويقدر -سبحانه وتعالى- من الأسباب ما يدفع به تلك المكروهات، ومن تلك المكروهات الأمراض؛ سواء كانت جسدية أم نفسية، ومن الأسباب التي قدرها الله تعالى الأدوية، فقد قال الرسول ﷺ: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء.

فاحرصي على الأخذ بالأسباب، وحاولي الاستعانة بالأطباء النفسيين، وسيشخصون لك حالتك -بإذن الله تعالى- بما يعينك على الأخذ بأسباب الشفاء ودفع هذا المكروه عن نفسك، ونصيحتنا لك ألا تتأخري في طلب هذه المساعدة، والأطباء النفسيون لدى موقعنا سيعينونك -إن شاء الله تعالى- بما ينفعك ويفيدك في هذا الجانب.

أما من الناحية الشرعية الدينية؛ فنصيحتنا لك -ابنتنا الكريمة- أن تحرصي على أمور أرشد إليها ربنا -سبحانه وتعالى- وأرشدنا إليها رسولنا الكريم ﷺ، من شأنها أن تدفع عن الإنسان الغم، وتطرد عنه الهم، وتكون سببا في شرح الصدر، ومن أهمها:

- الإكثار من ذكر الله تعالى؛ فذكر الله مادة مفيدة للقلب، وبه يستعيد طمانينه وانشراحه، وقد قال الله في كتابه: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}، فأكثري من ذكر الله تعالى، وداومي على الأذكار، ولا سيما الأذكار الموزعة على أجزاء اليوم والليل، كأذكار الصباح والمساء، والأذكار بعد الصلوات، وأذكار النوم والاستيقاظ، ونحو ذلك من الأذكار.

- ومن أشرف أنواع الذكر وأنفعه للقلب: قراءة القرآن الكريم، فأكثري من تلاوة القرآن، ولو أن تجعلي لنفسك قدرا يسيرا خلال اليوم والليل، فإذا قرأت شيئا من القرآن بتدبر وحضور قلب؛ فإن هذا سيبعث في قلبك الطمأنينة والانشراح.

- أكثري من دعاء الله تعالى، والجئي إليه بصدق؛ فإنه -سبحانه وتعالى- الشافي، وهو سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، قادر على أن يصرف عنك هذا المكروه، ومن أدعية النبي ﷺ التي علمنا أن ندعو بها في كل صباح ومساء: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال؛ فينبغي أن تكثري من هذا الدعاء وأن تلازميه.

فهذه الإرشادات الشرعية من شأنها أن تساعدك على تحسين نفسيتك، وإعادة السرور إلى قلبك، ومع هذا كله حاولي أن تحسني إلى من يحتاج إلى الإحسان من الناس بقدر استطاعتك، فأحسني إلى اليتيم، وامسحي رأسه؛ فإنه سبب لذهاب الهم والغم، وحاولي أن تتصدقي إذا قدرت على الصدقة، وحاولي أن تعيني محتاجا؛ فهذه الأعمال من شأنها أن تبعث بالنفس السعادة والطمأنينة.

- وختاما: ينبغي ألا تغفلي -ابنتنا الكريمة- عن استحضار الجزاء الأخروي للبلاء الذي قد يصيب هذا الإنسان في دنياه، فليس هناك هم ولا غم ولا أذى ولا حزن يصيب الإنسان المسلم إلا ورتب الله -سبحانه وتعالى- عليه جزاء لهذا الإنسان، من ذلك تكفير ذنوبه وسيئاته، ومن ذلك رفعة درجاته، فالبلاء كما أنه مؤذ للإنسان، لكنه في الحقيقة مفيد ونافع له في جوانب أخرى؛ فاستحضارك لهذه المعاني سيبعث قلبك على الطمأنينة والسكينة وانتظار الفرج من الله تعالى.

- حاولي أن تستفيدي من نصائح الأطباء في كيفية تنظيم وقتك، وتناول التمرينات التي تعيد إلى نفسك مزاجها الصحيح؛ فإن في كثير من البرنامج اليومي المعتدل المشتمل على ما يحتاجه الجسد والروح في ذلك كله الدواء الشافي -بإذن الله تعالى- لهذه الأسقام والأمراض.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يعجل لك بالعافية والشفاء، وأن يصرف عنك كل سوء ومكروه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي (مستشار الشؤون الأسرية والتربوية)
وتليها إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم (استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية والشفاء.

أولا: ما ذكره لك الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- من إرشاد شرعي ونفسي وسلوكي، أراه في غاية الأهمية، ويجب أن تأخذي به.

ثانيا: من الناحية النفسية، أنت تتحدثين عن عدة ظواهر نفسية أصابتك، منها: فقدان الثقة بالنفس، ثم الوساوس القهرية، ثم بعد ذلك الاضطرابات المزاجية، والتي تتمثل في وجود ما يمكن أن نسميه بالقلق الاكتئابي من الدرجة البسيطة إلى المتوسطة.

هذا هو تشخيص حالتك "قلق اكتئابي من درجة بسيطة إلى درجة متوسطة" وأنا أعتقد أنه لم يصل إلى مرحلة مرضية، إنما يمكن أن نعتبره نوعا من الظواهر، ولكن طبعا -كما تفضلت- أثر في حياتك سلبا، وهيمنت عليك هذه المشاعر السلبية، وافتقاد الدافعية والشغف.

أيتها الفاضلة الكريمة، الإنسان هو عبارة عن مثلث من الناحية السلوكية، هذا المثلث أضلاعه هي: (الأفكار، والمشاعر، والأفعال)، والإنسان في مثل حالتك حين تكون الأفكار سلبية، وكذلك المشاعر سلبية، يجتهد بأن يجعل أفعاله إيجابية، وهذا يغير الفكر السلبي ليجعله إيجابيا، وكذلك يتحول الشعور ليصبح من شعور سلبي إلى شعور إيجابي، هذا مجرب.

فأرجو أن تكون لك برامج يومية، وتلتزمي بتطبيقها مهما كان، ادفعي نفسك نحو واجباتك الرئيسية في أثناء اليوم، واتبعي الخارطة الذهنية التي تقودك نحو الإنجازات، حتى وإن كانت في أمور الحياة البسيطة.

فإذا: الفعالية النفسية هي المخرج مما تعانين منه، مثلا: اجعلي في يومك أن تنامي ليلا مبكرا، وتتجنبي السهر؛ النوم المبكر يعطيك طاقات إيجابية جدا، بل يؤدي إلى ترميم كامل في الجسد، وكذلك في كيمياء الدماغ، ثم تستيقظين مبكرا، وتصلين الفجر في وقته، وهذه بداية عظيمة يجب أن تستشعري قيمتها.

بعد ذلك مثلا: تقومين بتمارين إحمائية بسيطة، ثم الاستحمام، شرب الشاي، ثم الذهاب إلى مرفقك الجامعي الدراسي، وتدفعين نفسك، ثم تدفعين نفسك، هذا الدفع في حد ذاته، والذي يعقب بالإنجاز؛ سوف يمثل لك مردودا إيجابيا نفسيا كبيرا، وبهذه الكيفية تكونين قد حولت الطاقات النفسية من طاقات سلبية إلى طاقات إيجابية.

وحاولي أن تركزي في الدراسة، وبعد أن ترجعي من الجامعة، وتتناولي طعام الغداء -مثلا-، خذي قسطا من الراحة، اجلسي مع الأسرة، تواصلي مع بعض الصديقات، اقرئي شيئا مفيدا، احرصي على وردك القرآني، طبقي بعض تمارين الاسترخاء، كتمارين التنفس المتدرجة، وهكذا، يكون اليوم فيه شيء من الأنشطة والفعاليات المهمة في الحياة.

وهذه سيكون مردودها إيجابيا جدا على أفكارك، وكذلك على شعورك، والأمر الآخر هو أن يكون لك هدف، أن يكون لك مشروع حياة، حتى ولو كان هدفا بسيطا، ولكن يجب أن تضعي هذا الهدف أمامك، وتضعي الآليات التي توصلك إليه.

يمكننا تقسيم الأهداف إلى ثلاثة أقسام: أهداف آنية تتحقق في أربع وعشرين ساعة، وأهداف متوسطة المدى يجب أن يحققها الإنسان في ستة أشهر، ثم أهداف بعيدة المدى وهي -طبعا- مشروع حياة متكامل.

الأهداف الآنية -مثلا-: أن تجلسي مع والدتك لفترة نصف ساعة، وتناقشي معها بعض المواضيع، هذا هدف تحققينه في ذلك اليوم، أو تقرري -مثلا- أن تزوري صديقة كانت مريضة -عافاها الله-، ثم تزوريها، وتجلسي معها، أو حتى تتواصلي معها بالتلفون، هذا هدف يمكن تحقيقه، وله مردود إيجابي.

حين نأتي للأهداف متوسطة المدى -مثلا-: تحفظين ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم في ستة أشهر، هذا هدف ممكن جدا، تضعين الآليات التي توصلك إليه، وهكذا، فإذا وجود الأهداف وأن نضع الآليات التي توصلنا إليها، يعود على الإنسان بمردود إيجابي وممتاز جدا.

طبعا إذا ذهبت إلى طبيبة نفسية أو طبيب، هذا أمر جيد جدا، للمزيد من الاستبصار، والمزيد من التوجيه، وأنا أعتقد أنك سوف تستفيدين كثيرا إذا تناولت أحد الأدوية النفسية البسيطة والسليمة، هنالك دواء رائع جدا يسمى "سيرترالين - Sertraline"، تحتاجين له بجرعة صغيرة، ولمدة ثلاثة أشهر -مثلا-، لكن سوف أترك أمر الدواء للطبيب.

وأسأل الله لك التوفيق، والسداد، والعافية، والشفاء.

مواد ذات صلة

الاستشارات