السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالبة، عمري 19 عاما، ومنذ صغري أملك نفسا لوامة على أي ذنب أقترفه، مهما كان صغيرا، وأحاول دائما أن أتقي الله.
منذ سنة تقريبا وقعت في ذنب؛ فقد شاهدت مشاهد محرمة من دون قصد، ولكن للأسف الشديد أصبحت بين حين وآخر أذهب لأشاهد مشهدا أو آخر، وأنا لا أعرف كيف فعلت ذلك! حتى إني تعرفت على أشياء لم أكن في حياتي أعلمها، مثل العادة السرية، ولم أكن أعلم ما هي بالأساس.
وقد استغفرت، وجلست شهورا لا أشاهد أشياء محرمة، ولكن عقلي دائما ما يفكر في هذه الأشياء القبيحة.
مؤخرا صرت أشاهد أشياء مثل هذه، وأنا أشعر بالقرف تجاه نفسي، وخاصة أني أعاني من اكتئاب، وصارت أبسط الأشياء مثل الصلاة والدعاء صعبة علي، وأنا لا أعرف ماذا أفعل؟
أشعر بالقرف؛ لأني كنت بريئة جدا، وأحس أن هذا غضب من الله علي، وخاصة أني في فترة مصيرية في دراستي، وأحتاج إلى معجزة من الله في النتيجة، وأشعر أن هذه هي علامة أن الله غاضب علي لدرجة أنني أتجه لفعل المعاصي القبيحة بدلا من التقرب منه، والإكثار من الطاعات؛ لأنال رضاه وتوفيقه.
أنا في أسوأ المراحل، ولا أعلم ماذا أفعل؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويغفر ذنبك، ويطهر قلبك، ويثبتك على طاعته، ويفرج عنك ما تجدين من ضيق.
فإن أكثر ما لفت انتباهنا ليس الذنب فقط، وإنما يقظة قلبك، ولومك لنفسك، وخوفك من الله، وحرصك على رضاه، وهذه المعاني تدل على أن قلبك ما زال حيا، وأنك لم ترضي بالمعصية، وإنما تتألمين منها، والفرق كبير بين من يجاهد شهوته، ومن يسير إليها مطمئنا.
كما نحب أن نصحح عندك فكرة تؤلم كثيرا من الشباب والفتيات، وهي قولك: أشعر أن هذا غضب من الله، وأنه لذلك جعلني أقع في هذه المعاصي!
هذا ليس لازما، ولا يجوز للإنسان أن يجزم به؛ فإن الله سبحانه لم يجعلنا نعرف سبب كل بلاء أو كل تعثر يقع لنا، فقد يكون ما تمرين به ابتلاء، وقد يكون امتحانا، وقد يكون أثرا لأسباب نفسية أو بيئية، وقد يجتمع أكثر من سبب، لكن لا يملك أحد أن يقول: هذا دليل قطعي على أن الله غضب علي، بل لو كان كل من وقع في ذنب قد أغلق الله عنه أبواب رحمته، لما بقي أحد يرجو المغفرة، وإنما يفتح الله باب التوبة لعباده في كل مرة يرجعون إليه.
وأما وقوعك في مشاهدة المحرمات بعد أن كنت بعيدة عنها: فهذا بلا شك ذنب، لكنه لا يعني أنك فقدت طهارتك إلى الأبد، ولا أن شخصيتك تغيرت تغييرا لا رجعة فيه، بل هي معصية ابتليت بها، شأنها شأن غيرها من الذنوب، وعلاجها بالتوبة، والمجاهدة، والأخذ بالأسباب.
وإن من الأخطاء التي يقع فيها كثير من أصحاب النفوس اللوامة أنهم يظنون أن كثرة تأنيب النفس هي التوبة، بينما الحقيقة أن التوبة تدفع إلى العمل، أما جلد الذات المستمر فيشل الإرادة، ويجعل الإنسان يهرب من ألمه إلى الذنب نفسه، فيدور في دائرة مؤلمة: ضيق، ثم معصية، ثم ندم شديد، ثم ضيق أشد، ثم معصية أخرى.
ولذلك لا يكفي أن تقولي: لن أفعل مرة أخرى، بل لا بد من قطع الأسباب التي توصلك إلى الذنب.
نريدك الآن وفورا أن تقومي بحذف كل ما يوصلك إلى هذه المشاهد، ولا تبقي وحدك مع الهاتف أو الإنترنت في أوقات الفراغ، واشغلي وقتك بما ينفعك؛ فإن الشهوة تقوى مع الفراغ، وتضعف مع الانشغال.
وأما ما ذكرته من الاكتئاب، وصعوبة الصلاة والدعاء:
فهذا أمر يستحق الاهتمام؛ لأن الاكتئاب قد يجعل حتى الأعمال التي يحبها الإنسان ثقيلة عليه، فلا تفسري كل ضعف في العبادة بأنه فساد في الإيمان، بل قد يكون للجانب النفسي أثر ظاهر يحتاج إلى علاج، ولا حرج في مراجعة طبيب أو أخصائي نفسي إذا استمرت هذه الأعراض أو اشتدت.
وأما خوفك على دراستك، وأنك تنتظرين توفيق الله؛ فلا تجعلي الشيطان يقنعك أن باب التوفيق قد أغلق؛ فإن الله يبتلي عباده، ثم يفتح لهم من الخير ما لم يكونوا يحتسبون، وربما كانت هذه المحنة سببا في رجوعك الصادق إلى الله، فيكون خيرها أعظم من شرها.
ونحن نوصيك بعدة أمور عملية:
- اقطعي كل وسيلة توصلك إلى المشاهد المحرمة، ولو احتجت إلى حذف تطبيقات، أو وضع قيود على الهاتف.
- لا تبقي وحدك في أوقات الفراغ الطويلة، واجعلي يومك مليئا بالدراسة، والرياضة، والقراءة، والأعمال النافعة.
- إذا سقطت يوما، فلا تقولي: "انتهيت"، بل بادري بالتوبة، ولا تسمحي للشيطان أن يحول السقطة إلى إقامة دائمة في الذنب.
- اجعلي لك وردا يسيرا من القرآن والذكر، ولو كان قليلا، ولا تحملي نفسك ما لا تطيق؛ فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
- لا تربطي نجاحك الدراسي بكونك لم تخطئي قط، وإنما اربطيه بحسن التوكل، وبذل الأسباب، والإكثار من الدعاء.
- إذا استمر الاكتئاب، أو أصبحت الحياة كلها ثقيلة عليك، أو شعرت أن قدرتك على الدراسة والعبادة تنهار؛ فلا تترددي في مراجعة طبيب أو أخصائي نفسي؛ فطلب العلاج من الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها.
وأخيرا: تذكري أن الشيطان يريد منك أمرين: أن تقعي في الذنب، فإن لم ينجح، أراد أن تيأسي من رحمة الله، فلا تعطه الثانية بعد الأولى، بل كلما تعثرت فقومي، وكلما ضعفت فارجعي؛ فإن ربك سبحانه لا يمل من قبول التوبة حتى يمل العبد من طرق بابه، واحرصي على صحبة صالحة من الأخوات الصالحات؛ فإن ذلك من المعينات على طريق الاستقامة.
نسأل الله أن يشرح صدرك، ويبدل ضعفك قوة، وحزنك سكينة، وأن يرزقك توبة صادقة، وتوفيقا في دراستك، ونجاحا في دينك ودنياك، والله الموفق.