كيف أغيّر شخصيتي وأستعيد ثقتي بنفسي؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد أن أغير من شخصيتي إلى الأفضل؛ فقد ضيعت عمري في أمور كثيرة، وفي مساعدة عائلتي؛ وهذا جعلني لا أهتم بنفسي، أشعر أن شخصيتي ليست قوية، وتعليمي ليس بالمستوى الأفضل، ولم أستطع أن أثقف نفسي، كما أنني غير اجتماعية، وليس لدي أصدقاء، وأشعر بالقلق من التجمعات؛ لأنني لا أملك الثقافة الكافية للرد بسرعة على أي شخص، لا أعرف كيف أعبر عما بداخلي، ولا أعرف كيف أفتح مواضيع للحديث، وحتى إذا تحدث معي أحد لا أعرف كيف أرد عليه.

خطيبي يرى أنني غير مثقفة، وأنني لا أهتم بنفسي، وهو قلق من التجمعات العائلية؛ خوفا من أن يسألني أحد سؤالا أو يحرجني به، ولا أستطيع الرد عليه؛ لأنني لا أملك الثقافة الكافية للإجابة.

دائما أشعر أن أخواتي شخصياتهن أقوى مني؛ فهن يعرفن كيف يتصرفن، أما أنا فلا أعرف كيف أتعامل مع الناس، وأبتعد عنهم، ولا أحب التحدث مع أحد؛ حتى لا يشعر بأنني غير مثقفة أو لا أعرف كيف أرد، فألتزم الصمت وأستمع أكثر مما أتكلم.

أشعر أن الآخرين اعتادوا على عدم ردي عليهم، أو على أنني لا أطلب شيئا لنفسي، حتى أصبح ذلك حقا مكتسبا لهم، وأصبح لدي شعور بأنني لا أستطيع الرد.

أشعر أن عمري مضى دون فائدة، من غير أن أفعل شيئا نافعا لنفسي، وأشعر أن قربي من الله غير كاف، وأصبحت أهرب من الواقع بالانشغال ببرامج التواصل الاجتماعي، وليس لدي أصدقاء.

كيف أغير وأطور من نفسي، وأشعر بأن لدي شخصية قوية وقبولا عند الناس؟ وكيف أستعيد ثقتي بنفسي، وأغير نفسي إلى الأفضل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك لتواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويزيدك علما وثقة بنفسك، وأن يعينك على تطوير ذاتك، ويرزقك السداد والتوفيق في الدنيا والآخرة، اللهم آمين.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعيشين صراعا داخليا مؤلما بين إحساسك بأنك بذلت سنوات من عمرك في خدمة أسرتك ومساعدتها، وبين شعورك بأن هذا البذل جاء على حساب نفسك، فتراكم لديك إحساس بضعف الشخصية، وقلق من المواقف الاجتماعية، وخوف من أن يسأل عنك سؤال لا تعرفين له جوابا فتحرجين أمام الناس، حتى وصل الأمر إلى أن يرى خطيبك أنك بحاجة إلى تثقيف نفسك أكثر، وأن تشعري بالمقارنة مع إخوتك الذين يبدون أكثر جرأة وقدرة على التعبير، هذا شعور مؤلم، ونحن نقدر مدى صعوبته عليك، خاصة أنه تراكم عبر سنوات وليس وليد يوم أو شهر.

يمكن أن ننظر إلى هذه المشكلة من زاويتين لا بد من معالجتهما معا:

• الزاوية الأولى تتعلق بجانب عملي بحت، وهو أنك فعلا لم تمنحي نفسك فرصة كافية لبناء ثقافة عامة ومهارات تواصل، لانشغالك بخدمة أسرتك، وهذا أمر قابل للتطوير بخطوات تدريجية بسيطة، وليس عيبا ثابتا في شخصيتك.

• أما الزاوية الثانية فهي أعمق، وتتعلق بنظرتك لذاتك، إذ يبدو أنك اعتدت أن تضعي احتياجاتك في آخر سلم الأولويات، حتى ظننت أن عدم مطالبتك لنفسك بشيء هو نوع من الفضيلة، بينما هو في الحقيقة إجحاف بحق نفسك التي لها عليك حق، كما لأسرتك عليك حق، قال النبي ﷺ: إن لربك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه (رواه البخاري)، فرعاية نفسك وتنمية شخصيتك ليست أنانية، بل هي أداء لحق أوجبه الشرع نفسه.

أما ما تشعرين به من نقص في الثقافة والقدرة على التعبير، فاعلمي أن هذا ليس قدرا ثابتا، وإنما هو مهارة تكتسب بالتدريج كسائر المهارات، والقرآن الكريم يعلمنا أن طلب الزيادة في العلم مطلب مستمر لا ينتهي، يقول الله تعالى: {وقل رب زدني علما}، ومن دعاء الملائكة: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم}.

وتأملي أيضا في دعاء موسى -عليه السلام- حين أرسل بمهمة عظيمة وهو يشعر بحرج في التعبير عن نفسه، فماذا فعل؟ لم يستسلم للعجز، بل توجه إلى الله بالدعاء طالبا العون على البيان والتيسير، فقال كما حكى القرآن عنه: {رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي}، هذا الدعاء يصلح أن يكون دعاءك أنت أيضا في كل مرة تشعرين فيها بالعجز عن التعبير أو المشاركة.

ومن الجميل أن تعلمي أن نساء الصحابيات لم يكن يستحين من طلب العلم أو السؤال عما يجهلنه، فقد أثنت عائشة -رضي الله عنها- على نساء الأنصار بقوله: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (رواه مسلم)، فالحياء المحمود لا يعني الصمت الدائم أو الانزواء، وإنما يجتمع مع السؤال والتعلم والمشاركة حين يكون ذلك في محله.

ومن الناحية العملية، هناك خطوات تعينك بإذن الله على استعادة ثقتك بنفسك تدريجيا:

• ابدئي بتخصيص وقت يومي بسيط، ولو ربع ساعة، لقراءة متنوعة في مواضيع تحبينها، فالثقافة لا تبنى دفعة واحدة وإنما بتراكم يومي هادئ، وسيلاحظ من حولك تحسنا خلال أسابيع قليلة.

• حاولي أن تستبدلي جزءا من وقت التصفح على وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الوقت، فالهروب إلى الشاشة مفهوم كوسيلة راحة مؤقتة، لكنه لا يبني ثقة ولا يعالج جذور المشكلة، بل يزيدها أحيانا لأنه يعزلك أكثر عن التفاعل الحقيقي.

• من المفيد أيضا أن تحضري لنفسك مسبقا بعض المواضيع أو الأسئلة البسيطة التي يمكن أن تفتحي بها حديثا مع من حولك، فالمهارة الاجتماعية كأي مهارة تحتاج تدريبا تدريجيا، ولا حرج أن تبدئي بخطوات صغيرة داخل الأسرة قبل التوسع إلى دوائر أوسع.

• في مسألة المقارنة بينك وبين أخواتك، تذكري أن الله سبحانه وهب كل إنسان قدراته الخاصة، ولم يجعل التكريم مرتبطا بالجرأة الاجتماعية، يقول تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم}، فقيمتك ليست في مقارنتك بغيرك، بل في سعيك الدائم لتطوير نفسك، وهذا ما بدأت فيه فعلا بمجرد أنك كتبت هذه الرسالة وسألت عن طريق التغيير.

وأما ما ذكرته من قلق من التجمعات العائلية وخوف من الإحراج؛ فهذا القلق قابل للتخفيف تدريجيا بالتعرض التدريجي للمواقف بدل تجنبها كليا، فحاولي أن تشاركي بجملة أو سؤال بسيط في كل مناسبة، ثم زيدي شيئا فشيئا، ولا تحملي نفسك سقفا عاليا من أول خطوة.

نحن لا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية، لكن إن استمر هذا القلق يثقل عليك بشكل يمنعك من ممارسة حياتك بشكل طبيعي، فمن الحكمة أن تستشيري أخصائيا نفسيا مختصا بمهارات التواصل والثقة بالنفس، فطلب العون في هذا الباب من الأخذ بالأسباب لا من الضعف.

فمهما بدا لك أن ما تفتقدينه اليوم من ثقافة أو جرأة نقص ظاهر، فهو نقص عارض يمكن سده، ولا يمس جوهر قيمتك وكرامتك عند الله.

أخيرا: تذكري أن قربك من الله لا يقاس بمقدار ثقتك بنفسك أو جرأتك الاجتماعية، فهذان أمران منفصلان، ويمكن أن تكوني قريبة من ربك وفي الوقت نفسه تعملي على تطوير شخصيتك، بل إن الدعاء والاستعانة بالله في هذا الأمر بالذات هو من أعظم صور القرب منه، اجعلي دعاء موسى -عليه السلام- رفيقك في هذه المرحلة، واستعيني بالله، وابدئي خطوة خطوة، فالتغيير الحقيقي يبدأ صغيرا ثم يكبر.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات