كيف أتعامل مع الافتراء والظلم الذي أحرجني به خاطبي مع أهلي؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة لم تكن لي أي علاقات سابقة، تواصل معي شخص غريب، زاعما أنه مسلم جديد، ويدرس العلم الشرعي، ويطلب الزواج، وبعد إلحاح منه، أرسلت له رقم والدي فورا، دون أن تقوم بيننا أي علاقة، رفضه والدي في البداية لكونه أجنبيا، ثم وافق بعد إلحاحه، وتمت الخطبة رسميا، ووافق على الشروط.

وخلال فترة الخطبة ظهرت منه أمور مقلقة، من ذلك:
• النقض والخداع: قلل من ذهب الشبكة دون علمنا، وكان كثير الوعود قليل الوفاء، وادعى كذبا أنه فقد عمله ليمتحنني، ثم تبين عدم صحة ذلك.

• التعالي والتعنيف الفكري: كان يجادلني بإلحاح في مسائل دقيقة تتعلق بالفرق والمذاهب، ويشعرني بالجهل، وكان يلمزني بسبب ثرائي ويعده عيبا، رغم أن أغلب مال والدي ينفق على علاج والدتي من السرطان.

• افتعال المشاكل والهروب: افتعل مشكلة مع والدي، وفسخ الخطبة بنفسه، واشترط أن ندفع له تكاليف السفر ليأخذ ذهبه، وإلا سيتهمنا بالسرقة، ثم تبين لي لاحقا أنه كان يخونني، ويتواصل مع نساء أخريات، ويعدهن بالزواج.

• الافتراء على عرضي: ادعى أمام أخي أنني أنا من بدأت مراسلته؛ ليبرئ نفسه، مما سبب لي حرجا شديدا.

الذهب ما زال عندنا، وسنعيده إليه قريبا إن شاء الله، لكن المشكلة تكمن في الأثر النفسي؛ حيث أصبحت أواجه طعنا وتشكيكا في أخلاقي وشرفي من والدي، معتبرين أنني أنا من راسلت الرجل واستجلبت هذه المشاكل.

أسئلتي:
• هل أخطأت شرعا في أي تصرف قمت به؟ وهل علي إثم في هذه القصة؟
• كيف أتعامل مع الظلم والطعن النفسي الذي أواجهه من أهلي بما يرضي الله تعالى؟
• ما الدرس الإيماني الذي أراد الله تعالى أن أتعلمه من هذه الابتلاءات؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ امتنان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعلنا وإياك ممن إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر، وإذا أذنب استغفر.

ونكرر لك الشكر على هذا السؤال، ونحب أن نبين لك أنك بحول الله وقوته بريئة، وأنك على خير، ونسأل الله أن يعينك على تجاوز هذه الصعاب.

ونبشرك بأن هذا الابتلاء لا يعني أن الإنسان مقصر، فأحيانا الابتلاء لرفعة الدرجات، "وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل"، فاتقي الله واصبري.

والحمد لله أن الأمور انتهت عند هذا الحد، رغم المرارة إلا أن الخطورة كانت في الاستمرار مع هذا الإنسان الثعلب الذئب الذي لا يراعي العهود، والذي يحترف الكذب، فاحمدي الله -تبارك وتعالى- كثيرا أن الله أخرجك بأخف الأضرار.

وثقي بأن الأهل سيعودون إلى صوابهم، وسيعرفون ابنتهم، ولا تتأثري بكلامهم، إذا واجهت ظلما من الأهل فالله يعلم أنك بريئة، وإذا كان هناك ثمة خطأ فباب التوبة مفتوح، ورحمة ربنا الرحيم تغدو وتروح.

واعلمي أن أمنا عائشة وقعت في الابتلاء، تكلم عنها أهل النفاق، ومرت بأصعب اللحظات والأيام، حتى نزلت براءتها من فوق سبع سماوات، وفازت ورفع الله قدرها، وكانت أحب نساء رسول الله ﷺ.

فلذلك لا تحزني، وكلما اشتد عليك الأمر كوني كثيرة اللجوء إلى الله، توكلي عليه، استعيني به، اسأليه من فضله، اشتغلي بطاعته، وماذا خسرت من تربح ربها، وتكون مع ربها، وتقبل على الله تبارك وتعالى؟!

إن من أعظم الدروس التي ينبغي أن نتعلمها من الابتلاءات: أن نلجأ إلى الله تعالى، ونكثر من التضرع إليه، ونقبل عليه سبحانه بصدق وإخلاص؛ فإن الابتلاءات من أعظم ما يرد العبد إلى ربه، قال الله تعالى: {فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا}، فمن ابتلي بالبأساء أو الضراء حري به أن يكثر من التضرع إلى الله تعالى، فهو وحده الذي يفرج الكروب، ويكشف الضر، كما قال سبحانه: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}.

وأرجو أن تعاد لهذا الإنسان الحقوق التي يطالب بها، وحاولي ألا تجلدي نفسك ولا تعاقبيها.

فالأمر كما هو واضح أنك بدأت بخطوات شرعية واضحة، وتواصل مع الوالد، والوالد هو الذي قبل به، فهو قد جاء البيوت من أبوابها.

وكون الاتصال الأول قد حدث منه فهذا لا إشكال فيه؛ لأن العبرة بما بعد الاتصال الأول، فالمرأة الفاضلة والعاقلة مثلك إذا تواصل معها من يريدها، وشعرت أنه يميل إليها، فإنها تعطيه هاتف أهلها، وتقول له: هذا والدي، وهذا عمي، وهذا أخي، وهذا خالي، أو أي محرم من محارمها، وهذا ما قمت به أنت، فلم يكن هناك منك مخالفة تذكر.

ثم إن الوالد تدخل ورفض هذا الشخص في البداية، ثم ألح هذا الإنسان حتى وافق الوالد عليه، وبعد ذلك تبينت لكم أمور لم تكن ظاهرة من قبل، والخطبة إنما شرعت ليكتشف الناس بعضهم بعضا، ويتعرف بعضهم إلى بعض، وخلال هذه المرحلة ظهر لكم أنه غير مناسب، والحمد لله الذي نجاك من الاستمرار في هذه العلاقة التي لم تكن فيها مصلحة لك، ونسأل الله أن يعينك ويوفقك لكل خير.

إذا، أنت لم تخطئي شرعا ولم تفعلي منكرا، بل تصرفت كما يملي عليك الشرع.

ثانيا: لا إثم عليك أبدا فيما قمت به، بل أنت محسنة، وما على المحسنين من سبيل.
وبالنسبة للظلم والطعن والشبه التي صدرت من أهلك بسبب ادعاء هذا الرجل، وكذبه بأنك أنت من كنت تراسلينه، فعليك أن تواجهيها باللجوء إلى الله تبارك وتعالى، وبالثبات على الحق والخير، وسيعرف الأهل اليوم أو غدا أنك بريئة؛ فإن افعال الإنسان، وصفات الإنسان، وثبات الإنسان هو الذي يعيد له الثقة، والمهم في الأمر هو أن يرضي الله تبارك وتعالى، فإذا رضي الله -تبارك وتعالى- يوشك أن يرضي عليه الناس.

فاجعلي همك إرضاء الله، وكوني مع الله ولا تبالي، واعلمي أن قلب الوالد، وقلوب الأهل، وقلوب الناس بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها ويصرفها كيف يشاء، فنسأل مصرف القلوب أن يصرف قلوبهم حتى يطيعوا الله فينصفوك، ويعطوك حقك، ويتجنبوا هذا الأذى.

أما الدرس الإيماني، وهذا تعبير جميل؛ أن الإنسان يتعلم من خلال هذه الابتلاءات؛ لأن الله إذا أحب عبدا ابتلاه، قال ﷺ: أشد بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل من الناس، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة، زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه.

وقد يبتلي الله الفضلاء ليبلغوا منازل عند الله ما كانوا ليبلغوها إلا بالصبر على البلاء، وكما ورد في الحديث: إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده أو في ماله أو في ولده، ثم صبره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله تعالى، وقال ﷺ: إن الله تعالى إذا أحب عبدا ابتلاه ليسمع تضرعه.

وقد يبتلى الإنسان المقصر ليعدل طريقه ويعود إلى الله تبارك وتعالى، وكما قال ﷺ: وما يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة.

فإذا، ينبغي أن تستصحبي هذه المعاني، وكلما ذكرك الشيطان بمن أساء إليك، جددي العودة إلى الله واللجوء إليه تبارك وتعالى، ونسأل الله أن يجعلنا -كما قلنا- ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر.

فلا تضعفي، وثقي بالله تعالى، وأحسني الظن به، واعلمي أنه سبحانه يدافع عن الذين آمنوا، وأنه مع المتقين، ومع المحسنين؛ فأقبلي عليه بالطاعات، وأكثري من الدعاء، وأبشري بعونه وتوفيقه، وقولي في دعائك: رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى إلي، وانصرني على من بغى علي.

نسأل الله أن يعين الأهل على فهم الوضع، وأن يعودوا مؤيدين لك، ناصرين لك، وفي ذلك مصلحة لهم، قبل أن تكون المصلحة لك؛ لأن الظلم ظلمات، والعاقبة للمظلوم لا للظالم، ونسأل الله -تبارك وتعالى- لنا ولك التوفيق والسداد.

مواد ذات صلة

الاستشارات