السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب لدي قدر من الالتزام بالصلاة، والابتعاد عما حرم الله من العلاقات بالنساء وغيرها، تعرفت إلى فتاة وأعجبت بها، وبادرت فورا إلى خطبتها، وهي الآن زوجتي.
في بداية الأمر، كنت أبدي لها أنني ملتزم، ولا أقبل بأي علاقة غير شرعية، وكنت أحاول توضيح السلوك والمنهج الذي أعيش به؛ حتى تفهم ما أنا عليه، حيث كنت أشعر بأنها أقل التزاما مني.
أعرف والدها جيدا؛ فهو له سمعة ومكانة كبيرة، ومعروف بحسن الخلق والمحافظة على الصلاة، حيث تعاملت معه قبل معرفتي بزوجتي (ابنته) في التجارة لمدة طويلة، وتشجعت جدا عند معرفتي بوالدها، وهو أيضا أبدى ترحيبه بي، فقام بتسهيل الأمر كثيرا.
وعند تقربي من الفتاة، شعرت بحماس كبير منها، ورغبة في إتمام العلاقة، ورغبة منها في الالتزام أكثر، وبالفعل بدأت بالمحافظة على الصلاة، وقامت بتحديد موعد للالتزام باللباس الشرعي.
لكن بعد عامين من الزواج، بدأت الفتاة تعود إلى ما كانت عليه من قبل؛ فمثلا أصبحت تفكر بأنها لا تزال صغيرة، وأنها يجب أن تعيش حياتها، وتقارن نفسها بمن هم أسوأ منها، وكثيرة النظر إلى حياة غيرها.
المشكلة الآن أنها مهملة في بيتها، وقليلة النظافة في المنزل، وليس على الصعيد الشخصي، وتنشغل دائما بالخروج من المنزل إلى منزل أهلها، واكتشفت بالصدفة أنها تدخن الشيشة منذ سنة، وكانت تخفي عني ذلك بمساعدة والدتها التي تقوم بتحريضها، وتقول لها إنها صغيرة ويجب أن تعيش حياتها.
كل تفكيرها منصب على كيفية الترفيه والخروج من المنزل، وصرف الأموال، والتفاخر، وهذا ما أظنه مكتسبا من والدتها.
وهي كثيرة السهر، وكثيرة الجلوس على الإنترنت، وتضع علي ضغطا كبيرا بسبب متطلباتها الكثيرة، ودائما تشعرني بعدم الرضا، وأن ما تنظر إليه أعلى وأرفع، وأن مثيلاتها يستحققن السفر والخروج والترفيه.
ومنذ زواجي خسرت عملي، وخسرت مبالغ مالية ضخمة، وتغيرت حياتي إلى الأسوأ، وأشعر بأنني تعرضت للفتنة، وأن هذه الفتاة دمرت حياتي.
لا أنكر أن لديها صفات جيدة؛ فهي حسنة المعشر، ولا ترفع صوتها، وتصلي، ولكنها تقصر في صلاتها، وتطبخ الطعام، وتكرمني أمام أهلها والجميع، وهي تحبني كثيرا، وتلبس لباسا شرعيا نسبيا، ووالدها يحبني كثيرا، وهو شخص محترم جدا وملتزم، لكنه كثير الانشغال بعمله.
أشعر بأنني أصبحت بعد زواجي شخصا أسوأ؛ بسبب تراجع عبادتي، وبسبب تقصيري وخسارتي، وأشعر بأن الله عاقبني على عدم اختيار ذات الدين.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ محمود، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ابننا الفاضل- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام والحرص على السؤال، ونحمد الله -تبارك وتعالى- الذي أعانك على البدايات الصحيحة، وعلى حسن الاختيار، واحمد الله على التوافق الذي نلته من أسرته، ومن والدها، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينكم على الثبات.
والدنيا هذه مليئة بالفتن، وسنبدأ بالإشارات الإيجابية، والجوانب والصفات الجيدة؛ فقد وصفتها بأنها حسنة المعشر، وأنها لا ترفع صوتها، وأنها تصلي مع وجود بعض التقصير، وأنها تطبخ، وتكرمك أمام أهلها، وهي تحبك وتلبس لباسا شرعيا نسبيا، ووالدها يحبك وهو شخص محترم؛ هذه معان جميلة، أرجو أن تتخذها مدخلا إلى نصحها.
والإنسان لا بد أن يعلم أننا في تعاملنا مع المرأة لا بد أن نستصحب المعيار النبوي: لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها آخر، فالكمال محال.
ومن الذي ترضى سجاياه كلها ** كفى المرء نبلا أن تعد معايبه
وليس معنى هذا أننا نؤيد هذا الذي يحدث، ولكننا ندعوك إلى دعوتها إلى الله، والصبر عليها، والاجتهاد في هدايتها إلى الله تبارك وتعالى، وابدأ باللجوء والتضرع إلى الله.
وتذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: لأن يهدي الله بك رجلا -طبعا أو امرأة- خير لك من حمر النعم؛ فكيف إذا كانت المرأة هي هذه الزوجة التي وضعها الله -تبارك وتعالى- في طريقك؟
فاجتهد في أن تلتزم وتعود إلى ما كنت عليه، وأعنها في الالتزام والطاعة لله تبارك وتعالى، وعندما تنصحها لا تدخل والدتها؛ حتى لا يكون التحريض من الجانب الآخر، ولكن ذكرها بالطاعة لله تبارك وتعالى، ولا مانع من أن تذكرها بما عند والدها من كمالات ومن أخلاق جميلة، واستعن بالله تبارك وتعالى، واعلم أن هذه الحياة يبتلى فيها الإنسان.
فلذلك نتمنى أن تجعل همك هو أن تصلح نفسك وتصلح أهلك، ولا بد أن تعلم أن أقصر الطرق لإصلاح هذه الزوجة هو التعاون على البر والتقوى، والتعاون على الطاعات، قال العظيم: {وأصلحنا له زوجه}، ماذا كانوا يفعلون؟ {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين}.
نسأل الله أن يعينك على الخير، ونتمنى أن تجعل همك دعوتها وهدايتها إلى الله تبارك وتعالى، وقم بما تستطيع، وكن عونا لها على الطاعات، ونسأل الله أن يوفقك وأن يرفعك عنده درجات.
ونكرر مرة أخرى قول النبي ﷺ: إن كره منها خلقا رضي منها آخر، فاجعل همك أن تكون زوجتك مطيعة لله تبارك وتعالى، ولا تقف عند الأمور الأخرى الصغيرة كعدم نظافة البيت، وإنما اجعل همك الأول إصلاح ما يتعلق بالدين والطاعة، مع مراعاة طبيعة المرأة، فقد قال النبي ﷺ: استوصوا بالنساء خيرا؛ فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا (رواه البخاري ومسلم)، فالمقصود ليس ترك النصح والإصلاح، وإنما أن يكون ذلك بالحكمة والرفق، وأن تتعامل معها على ما فيها من الخير، لا أن تجعل همك تتبع مواطن النقص فقط.
ونسأل الله أن يعينك على الخير؛ فإن الإنسان إذا قصد وجه الله بارك الله له وبارك عليه، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.