أعيش في أحلام اليقظة هربًا من صدمة موت أمي، فما الحل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر 21 سنة، الحمد لله، أنا إنسانة مؤمنة، وملتزمة بصلاتي وصيامي، وعلاقتي بربي، وأعلم أن ما أمر به هو اضطراب نفسي وليس بسبب ابتعادي عن الدين.

تعرضت لصدمة وفاة والدتي بشكل مفاجئ ودون سابق مرض منذ سنة وخمسة أشهر، كنت أحبها بشدة، لكن عند وفاتها لم أشعر بحزن أو بكاء طبيعي، بل تجمدت مشاعري تماما، وقمت ببكاء تمثيلي أمام الناس؛ لأن عقلي رفض تصديق الخبر.

وما زاد من شكوكي وجلدي لذاتي أن والدتي تأتي لأخواتي في المنام باستمرار، بينما لم تأت إلي سوى مرة واحدة، ولم أر فيها وجهها، كنت في الحلم أترجاها وأبكي بحرقة لكي تريني وجهها، دون جدوى، مع العلم أنني كنت الأقرب إليها والأكثر كتمانا لأسرارها في حياتها.

منذ ذلك الوقت أصبحت أعيش في عالم خيالي واسع من أحلام اليقظة المفرطة، أهرب إليه من الواقع، وأقوم بافتعال قصص حزينة من مخيلتي فقط لأستدر البكاء، وأفرغ الضيق الشديد الذي أشعر به، وأصبحت أشك دائما فيما إذا كان ما أمر به حقيقيا أم وهما.

كما أصبحت أمثل المشاعر الاجتماعية، وأفضل الوحدة تماما، وأعاني من انفصال تام عن مشاعري الحقيقية، وتشكيك مستمر في جسدي ونفسي، لدرجة التمارض أحيانا، وتكذيب المرض الحقيقي أحيانا أخرى.

أحتاج إلى توجيه من أخصائي نفسي يساعدني على التعامل مع صدمة الفقد المؤجلة، والتعبير عن هذا الحزن المكبوت وتفريغه بطريقة صحية.

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جيني حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك -أختنا الفاضلة- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.

أولا: رحم الله الوالدة، وأسكنها فسيح جناته، وأعانكم الله على فقدانها.

أختي الفاضلة، أنت تعانين منذ سنة ونصف، فمن المهم أن تتذكري أن الحزن ليس له مدة محددة، فمرور السنة والنصف لا يعني بالضرورة أن الألم يجب أن يختفي، ولكنه غالبا يتغير مع الزمن، الهدف -أختي الفاضلة- ليس أن تنسي أمك، بل أن تتعلمي كيف تعيشين حياة ذات معنى مع استمرار محبتك وتذكرك لوالدتك.

أختي الفاضلة، يفيد أن تعملي على تذكر أن المشاعر هذه طبيعية، وبأن الشوق والحزن والبكاء عند تذكر الأم أمور طبيعية، أيضا لا تنسي أن الحزن على فقدان عزيز قد يمر بعدة مراحل، منها الإنكار، يعيش فترة الإنسان كأنه لا يدرك الحقيقة، وهذا لا يدل على أنك ضعيفة، أو أنك لم تتجاوزي الأمر، فالحب العميق يترك أثرا عميقا.

أختي الفاضلة، يبدو أن حزنك قد بدأ يؤثر على جوانب حياتك، حتى أصبحت تفضلين الوحدة والانفصال عن الواقع والمشاعر، وكما ذكرت، هذه تعتبر صدمة الفقد المطول.

أختي الفاضلة، أرجو أن تفكري: هل أصبح الحداد أو الحزن عندك مطولا، أي تجاوز الحد الطبيعي، والذي هو عادة ستة أشهر إلى سنة؟ فهنا علينا أن نتأكد من أنك لم تدخلي في حالة من الاكتئاب النفسي.

ما أنصحك به هو أن تعملي وبالتدريج، على الاستمرار في العلاقة مع والدتك وليس قطعها، وذلك عن طريق الدعاء، والصدقة عنها، كتابة رسائل إلى أمك تعبرين فيها عما تشعرين به، ولا بأس أن تحتفظي ببعض الذكريات الجميلة دون أن تعيشي أسيرة للماضي.

اسألي نفسك، أختي الفاضلة: لو كانت أمك هنا، ماذا كانت تتمنى لك؟

أختي الفاضلة، أحيانا عندما نسعى بحرص شديد على الحصول على شيء فإنه يبتعد عنا، لذلك أنصحك -إذا استطعت- أن تتركي الموضوع فترة، لا تجبري نفسك على البكاء أو على تذكر والدتك، فهذه الأمور ستأتي في وقتها بالشكل الطبيعي.

ورد في سؤالك جلد الذات، فكثير من الأبناء بعد وفاة أحد الوالدين يلومون أنفسهم على أشياء لم يفعلوها أو قالوها، تذكري -أختي الفاضلة- أن الإنسان بعد الفقد يميل إلى مراجعة الماضي، لكن ذلك لا يعني أنه مقصر.

أختي الفاضلة، عودي بالتدريج إلى الحياة من خلال المحافظة على الصلاة والعبادة، وممارسة الرياضة، والنوم المنظم، والبقاء على تواصل مع الأسرة والصديقات، وضعي أهدافا صغيرة للمستقبل، دون الشعور بأنك تخونين ذكرى أمك.

ولا بأس أيضا أن تضحكي، فبعض الناس يشعرون أن الضحك، أو النجاح، أو متابعة الحياة يعني نسيان المتوفى، أبدا أختي الفاضلة، إن مما يطمئنك أن محبتك للأم محبة واضحة، وأشعر أنها بادلتك هذا الحب، حيث كانت تبوح لك عما في نفسها.

أختي الفاضلة، أخيرا أقول لك: ألمك مفهوم لأنك فقدت شخصا لا يمكن تعويضه، لكن والدتك كانت تحبك، وأجمل وفاء لها أن تعيشي حياة طيبة، وأن تحملي القيم التي غرستها فيك، لن تنسيها، ولكن يمكنك أن تحولي حبك لها إلى قوة تدفعك للاستمرار.

أرجو أن تجدي في هذه النصائح ما يعينك، وإن استمرت هذه المعاناة، فلا مانع من أن تراجعي إحدى الأخصائيات النفسيات، فهناك تدخلات متعددة تساعدك على الخروج مما أنت فيه، متذكرة الوالدة، إلا أنك في نفس الوقت تتابعين حياتك الطبيعية.

أدعو الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ورحم الله الوالدة، وجزاك الله خيرا.

مواد ذات صلة

الاستشارات