كيف أختار تخصصي الجامعي؟

0 1

السؤال

السلام عليكم.

أنهيت مرحلة الثانوية العامة -ولله الحمد-، وأصبحت مقبلا على الجامعة، وأنا الآن في حيرة شديدة بخصوص اختيار التخصص المناسب، وعلى الرغم من قراءتي الواسعة، استمرت هذه الحيرة حتى استقر بي المطاف عند تخصصين: إما علم الحاسوب، وإما هندسة الطاقة المتجددة.

وقد نصحني الجميع باختيار علم الحاسوب، كما أن والدي سأل أهل الخبرة، فأكدوا الرأي ذاته؛ لأن فرص عمله أوسع، ونتيجة لذلك، صليت صلاة الاستخارة مرتين، وأنا متردد بين التخصصين، وغير جازم بأحدهما، فاستيقظت وشعرت بانشراح أكبر نحو تخصص الطاقة المتجددة، وحين أخبرت والدتي بذلك، قالت لي: بأن تخصص علم الحاسوب أوسع نطاقا، وأنه أضمن لمستقبلي، وسرعة حصولي على عمل، مما أعاد إلي التردد والحيرة مرة أخرى.

الظروف والآراء المحيطة بي تدفعني نحو علم الحاسوب، بينما أجد نفسي أحيانا أميل إلى أحد التخصصين، وأحيانا أخرى أنفر منه، وهكذا دواليك.

فما نصيحتكم لي، وهل تنصحوني بإعادة صلاة الاستخارة؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ إسماعيل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله تعالى أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل.

بداية، هنيئا لك إتمام هذه المرحلة من حياتك العلمية، ونسأل الله أن يكتب لك التوفيق والنجاح فيما هو قادم، ولا شك أنك تقف الآن أمام مفترق طريق قد يرسم ملامح مستقبلك، ولذلك فإن اختيار التخصص من أكثر القرارات التي يصاحبها التردد والحيرة؛ فهو يجمع بين رغبة النفس، وواقع الحياة ومتطلباتها، وطموحات المستقبل، ولهذا فمن الطبيعي أن تشعر بشيء من القلق والخوف.

أخي الكريم: اعلم أن الوصول إلى القرار المثالي الذي لا يعتريه أي احتمال للخطأ أمر نادر؛ فالكمال في الاختيارات البشرية غير ممكن، ولكن المطلوب أن تجتهد في اختيار ما يغلب على ظنك أنه الأنسب لقدراتك وطموحاتك، وأن تجد نفسك في مجال يمنحك الشعور بالراحة، والإبداع، والانطلاق، ولتحقيق ذلك لا بد من استحضار مجموعة من المفاهيم المهمة:

أولا: وضوح الهدف؛ فلو كان لديك هدف واضح منذ وقت مبكر، لخفت الحيرة كثيرا؛ لأنك ستسير في طريق مرسوم نحو غاية محددة، أما إذا غاب الهدف، أصبحت الخيارات مفتوحة، وتأثرت بآراء الآخرين، ورغباتهم أكثر من تأثرك بقناعاتك؛ لذلك احرص على أن يكون لك هدف تسعى إليه، واجعل التخصص وسيلة للوصول إليه، لا غاية في ذاته.

ثانيا: الميول، والشغف، والارتياح النفسي؛ فإذا كان لك هدف، فغالبا سيكون مرتبطا بشغف تحمله في قلبك، وعندها ستجد نفسك تميل إلى التخصص الذي يقربك من تحقيقه، فالتخصص ليس إلا وسيلة تخدم رسالتك في الحياة، أما إذا غاب الشغف، اتسعت دائرة التردد والحيرة.

ثالثا: بناء الشغف على القدرات الحقيقية: فلكل إنسان جوانب يتميز فيها؛ فهناك من يميل إلى العلوم الدقيقة كالكيمياء، والفيزياء، والفضاء، وهناك من يجد نفسه في الفنون والتصميم، وآخرون يستمتعون بالعلوم الإنسانية، والاجتماعية، والتحليل الفكري، فإذا اختار الإنسان مجالا يتوافق مع قدراته وميوله، شعر بالراحة والإبداع، أما إذا دخل تخصصا لا يناسب طبيعته، فقد يعيش صراعا مستمرا، ويجد صعوبة في النجاح.

رابعا: الموازنة بين الشغف وواقع الحياة؛ فقد يختار الإنسان ما يحبه، ثم يفاجأ بقلة الفرص، أو ضعف سوق العمل، وهنا تبدأ معادلة صعبة بين الشغف، ومتطلبات الواقع، والأفضل هو الموازنة؛ فإن أمكن الجمع بين الميول، ومتطلبات سوق العمل من خلال اكتساب مهارات إضافية، أو دراسة تخصص مساند، فهو الخيار الأمثل، أما إذا كان لا بد من اختيار تخصص فرصه محدودة، فلا بد أن يكون صاحبه متميزا فيه؛ لأن التميز هو الذي يصنع الفرص، ويثبت المكانة.

خامسا: تعدد المهارات والأهداف المرحلية؛ فقد أصبح الواقع اليوم يتطلب من الإنسان أن يمتلك أكثر من مهارة، وأن يجعل له هدفا رئيسا، تحيط به أهداف مرحلية ومعرفية ومهارية تدعمه حتى يصل إليه، وقد تعمل يوما في مجال غير تخصصك لتكتسب خبرة أو مهارة تخدم هدفك الأكبر، فلا تجعل ذلك سببا للقلق أو الإحباط.

أخي العزيز: مجرد حب التخصص لا يكفي، بل لا بد أن تسأل نفسك: هل يتوافق مع شخصيتي؟ وهل أمتلك القدرات التي تساعدني على الإبداع فيه؟ فمثلا، إذا كان الإنسان لا يميل إلى لغة الأرقام، والمعادلات، والتحليل المنطقي، فقد يجد صعوبة في بعض التخصصات التقنية، أما إذا كان يجد متعة في دراسة علوم الطاقة، وكانت نتائجه الدراسية وميوله تؤكد ذلك، فهذه مؤشرات جيدة على إمكانية التميز والنجاح -بإذن الله-.

لذلك لا نقول تجاهل آراء الآخرين، ولكن استمع إليها، ثم قارنها بما تعرفه عن نفسك، خاصة في المفاضلة بين تخصصي الحاسب والطاقة؛ فمع تقارب المجالين علميا، إلا أن طبيعة الدراسة والعمل تختلف بينهما.

ولهذا ننصحك بما يلي:
• ابحث عن أشخاص سبق لهم دراسة التخصصين، واسألهم عن طبيعة الدراسة، والمواد، وفرص العمل، والتحديات التي واجهوها.
• اجلس مع نفسك، وتأمل المواد التي كنت تستمتع بها، وتحقق فيها أفضل النتائج؛ فغالبا ما تكون مؤشرا على المجال الذي يناسبك.
• استمع إلى آراء من حولك، لكن تذكر أن الناس قد ينصحون بما يناسبهم هم، لا بما يناسبك أنت، فاجعل قرارك مبنيا على دراسة وقناعة.
• ادرس واقع سوق العمل في البيئة التي تعيش فيها، وفرص كل تخصص، وإمكان الانتقال إلى بيئات أخرى، والبدائل المتاحة إذا تغيرت الظروف مستقبلا.

ختاما، لا تنس -أخي الكريم- الاستخارة؛ فهي صدق اللجوء إلى الله تعالى، وطلب التوفيق منه؛ فهو سبحانه يعلم وأنت لا تعلم، وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، ثم يقول: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به).

وأكثر من الدعاء، وسؤال الله أن يهديك إلى الخير، ويشرح صدرك لما فيه رضاه، وأدم الصلاة، وتلاوة القرآن، والذكر؛ فإن القلب إذا امتلأ بذكر الله كان أكثر طمأنينة، وحسنا في النظر، واتخاذ القرار، قال تعالى: ﴿الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ۗ ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾

أسأل الله تعالى أن يوفقك، وييسر أمرك، ويختار لك الخير حيث كان.

مواد ذات صلة

الاستشارات