السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هناك أمر يؤلمني وأشعر بثقل كبير كلما فكرت فيه.
كنت أمارس العادة السرية، ثم توقفت عنها أربعة أشهر كاملة، لكنني عدت إليها، لم تعد كما كانت من قبل، فقد تحدث مرة واحدة فقط في الشهر، ومع ذلك أشعر بالعجز؛ لأنني لم أستطع التخلص منها نهائيا.
حاولت كثيرا؛ بالدعاء، والمحافظة على الصلاة، ومشاهدة المقاطع التي تزيد وعيي وتشجعني على تركها، لكنني ما زلت أتعثر.
أكثر ما يؤلمني ليس العودة نفسها، بل شعوري بأنني أخيب ظني بنفسي في كل مرة، رغم أنني أريد بصدق أن أتغير وأتخلص منها إلى الأبد!
الإجابــة
الأخت الفاضلة/ منار حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أختي الكريمة: "الابتلاء" أحد أهم علل وجودنا في هذه الحياة، قال تعالى: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾، وهذه الحالة التي أنت فيها من المدافعة بين نازع الخير ونازع الشر لديك، هي مما يحبه الله ويؤجر عليه العبد، وهي من سنن الله الكونية في بني آدم، فـ كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، كما أن حالة الندم والأسى والانزعاج المرافقة لك عند كل سقوط أو تلكؤ في الطريق إلى الله، هي أيضا مما يحبه الله تعالى ويؤجر عليه المرء، والمعركة مع الشيطان معركة أبدية لا تنتهي إلا بقبض أرواحنا، فالتوبة -أختي الكريمة- ليست قرارا تتخذينه، وإنما مجاهدة واستمرار.
أختي الكريمة، لعلي بعد هذه المقدمة المهمة أن ألخص لك إجابتي في هذه النقاط:
1- ليس لك خيار في ترك المجاهدة، والإخلاد إلى الذنب، فإن الهلاك إنما يكون في ذلك، فداومي على ما أنت عليه من التوبة والعزيمة الصادقة على عدم الرجوع، حتى وإن وقعت ألف مرة، وتذكري ما صح عن المصطفى ﷺ أنه قال: (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق [الدنيا]، وإن المؤمن خلق مفتنا توابا نساء إذا ذكر ذكر).
2- كل ذنب نقع فيه إنما يتغذى على مجموعة من الدوافع والمحفزات التي تكون سببا مساعدا في بقائه، فإذا ما أردنا أن نقلع عنه احتجنا أن نجفف دوافعه، والمعصية التي أنت عليها إنما يتم تغذيتها وتحفيزها من خلال مشاهدة المقاطع المثيرة، أو كثرة الخلوة بالنفس، أو ضعف الصحبة الخيرة، أو غير هذا وذاك مما تحتاجين أن تتبعينه في نفسك وتقلعي عنه حتى يساعدك على الإقلاع عن هذه المعصية.
3- ذنوب الخلوات تعالج بطاعات الخلوات؛ إن استطعت أن يكون لك نصيب وافر من قيام الليل، أو الأوراد القرآنية، فإن هذا من خير ما يعين، فالأنس بالله سبحانه وتعالى يفيض على صاحبه ويكون عونا له على الاستغناء عما سواه.
4- لا تقللي من إنجازاتك؛ فانتقالك من الممارسة شبه اليومية لهذه العادة إلى الانقطاع عنها أربعة أشهر كاملة هو أمر يحمد لك، وهو نجاح لا فشل، وبما أنك استطعت أن تقلعي عنها كل هذه الفترة، فأنت -بإذن الله- قادرة على تجاوزها بالكلية، وليكن هذا من التدرج الذي وإن لم تكوني قد قصدته، ولكنه تحقق بالتبع.
5- ذكر الله تعالى وملازمته ملازمة مستعين ومحب، لا ملازمة متمتم باللسان ببضع كلمات، هو مما ترجى بركته بحوله تعالى، فحضور الله في قلب الإنسان من خلال دوام استحضاره وذكره، يخفف ولا شك من حضور ما سواه من مصائد الشيطان وحيله.
6- استعيدي ثقتك بالله أولا، وبنفسك ثانيا، فما يراه الله منك من صدق التوجه إليه والحسرة على التقصير في حقه ودوام الإصرار على الارتفاع عما أنت فيه، قد يكون هو بوابتك إلى النجاة يوم القيامة، فأحسني الظن بالله، فإنما أنت في جهاد، قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾.
7- قد يطول طريق التوبة ليعلم الله صدق نية صاحبها، فلا تستطيلي الطريق، وكما قال القائل:
أخلق بذي الصبر أن يظفر بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
8- زاحمي المعاصي بالطاعات، حتى وإن عجزت عن الإقلاع التام عن هذه المعصية، فلا تجعليها سلسلة لمعاص أخرى، بل أحيطيها بالطاعات؛ تضعف وتمت بحوله تعالى.
9- تذكري أنك على أبواب زواج بحوله تعالى، فلعل معاناتك في المجاهدة لهذه المعصية لا تكون طويلة، فإن استطعت ألا تدخلي بيت الزوجية إلا وأنت قد تخلصت من هذا الأمر فإن هذا خير معين لك على أن تتخلصي منها بقية عمرك، أما إن تزوجت وما زالت آثار هذه المعصية ترافقك فإن مهمة التخلص منها ربما كانت أقسى، وربما أثرت سلبا على علاقتك بزوجك، فليكن ذلك حافزا ومشجعا لك بحوله تعالى.
10- قد تساعدك بعض النصائح الطبية المتعلقة بطبيعة بعض الأكلات، أو الملابس، أو وضعيات النوم، أو غيرها في تخفيف حدة الشهوة لديك، وهذه وإن لم تكن عاملا حاسما في الموضوع، ولكنها من المعينات المساعدة -بإذن الله-.
كتب الله لك أجر المجاهدة، والله يحفظك ويرعاك.