السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ذهبت إلى العديد من الأطباء النفسيين، وأعاني منذ أربع سنوات من خوف شديد، وشعور بأن الله قد رفضني، وغضب علي.
أشعر وكأن هناك ابتلاءات في جسدي، ويأتيني خوف من الصلاة وسماع القرآن، كما أعاني من مشاكل مستمرة مع زوجتي، وأشعر أن نظرة زوجتي والآخرين إلي هي أنني مريض نفسي.
كما تراودني وساوس بأني سأدخل النار، وعندما أدعو الله أشعر بتعب وانقباض، وكأن مساوئي تظهر أمامي أكثر، وأصبحت ظروفي صعبة في كل شيء، حتى إنني عندما أستيقظ من النوم أشعر بخوف شديد في البطن والصدر.
وأخيرا قررت الذهاب لأداء العمرة، والأطباء يقولون إن ما أعانيه هو وسواس قهري ديني، لكن الذي أشعر به في داخلي هو أنه غضب من الله علي.
أنصحوني بالله عليكم، ماذا أفعل؟ جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك، أخي الكريم، في استشارات إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، مستعينا بالله تعالى: أسأل الله أن يذهب عنك ما تجد، وأن يعينك على الخروج من هذه الحالة التي تعاني منها.
من خلال وصفك، ومع تشخيص أكثر من طبيب نفسي، فإن ما تعانيه يتوافق بدرجة كبيرة مع الوسواس القهري ذي المحتوى الديني، وهو ما ينسجم مع تشخيص الأطباء الذين راجعتهم، وليس هناك ما يدل شرعا على أن الله قد رفضك أو غضب عليك، كما لا يجوز الجزم بأن ما يصيب الإنسان من مرض أو ابتلاء هو علامة على غضب الله؛ لأن ذلك من الغيب، بل قد يكون العكس؛ لما ورد في الحديث الصحيح: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله عز وجل إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، فالذي نوصيك به أن ترضى بما قدره الله لك، وألا تتسخط.
ما تعاني منه نوع من الابتلاء، كما قال تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع... وبشر الصابرين﴾، فعليك بالصبر، والسعي للمعالجة بالطرق الشرعية، شعورك بأن الله قد رفضك من أخطر الوساوس التي يلقيها الشيطان؛ ليوقعك في اليأس والقنوط، والله تعالى يقول: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾، وقد ثبت في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: أنا عند ظن عبدي بي، فإياك أن تجعل الوسواس يفسر لك علاقتك بربك؛ فإن حسن الظن بالله عبادة، وسوء الظن به من مكايد الشيطان.
لقد اشتكى بعض الصحابة رضي الله عنهم من وساوس عظيمة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ذاك صريح الإيمان، أي إن كراهية هذه الوساوس وعدم الرضا بها دليل على وجود الإيمان، لا على زواله، كما قال صلى الله عليه وسلم: يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك، فليستعذ بالله، ولينته، وفي رواية: فمن وجد ذلك، فليقل: آمنت بالله، ومعنى ذلك: الإعراض عن هذا الخاطر الباطل، والالتجاء إلى الله تعالى في إذهابه.
فالعلاج النبوي هو: الاستعاذة بالله، وقطع الاسترسال مع الوسواس، لا مناقشته أو البحث عن دليل يطمئنك في كل مرة.
كونك تشعر بالخوف عند الصلاة، أو سماع القرآن لا يعني أن القرآن يؤذيك، وإنما هو أثر الوسواس الذي ربط بين العبادة والقلق، فلا تترك الصلاة ولا الدعاء، بل استمر فيهما؛ فإن ذكر الله يثمر طمأنينة في القلب، وليس خوفا وقلقا، يقول تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
أوصيك بالاستمرار مع طبيب نفسي ثقة، والالتزام بالعلاج الذي يصفه لك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء.
العمرة خطوة مباركة، فاذهب إليها راجيا رحمة الله، ولا تجعلها اختبارا لمعرفة هل أنت مقبول أم مرفوض؛ فإن قبول الأعمال إلى الله، والمؤمن مأمور بحسن الظن بربه، مع الاجتهاد في الطاعة.
أكثر من دعاء ذي النون: ﴿لا إلٰه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما دعا بها مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له.
أكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال لأبي بن كعب رضي الله عنه، حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أجعل لك كل صلاتي؟ قال: إذن تكفى همك، ويغفر لك ذنبك.
واعلم أن الشيطان يريد أن يحول بينك وبين الطاعة بإقناعك أن الله قد رفضك، بينما الله سبحانه يدعوك إلى التوبة والرجاء، ولم يجعل مجرد الوساوس علامة على غضبه، فاستعن بالله، واستمر في علاجك، ولا تلتفت إلى هذه الخواطر؛ فإنها تزول بإذن الله مع الصبر ومجاهدة النفس، قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾، وكن على يقين أن الله لا يؤاخذك على تلك الخواطر التي تجول في عقلك؛ لكونها خارجة عن إرادتك.
أهم خطوة في طريق العلاج ألا تصغي إلى تلك الوساوس، ولا تحاورها؛ فإن ذلك يغذيها، ويجعلها تلاحقك في كل مكان.
ابتعد عن الخلوة، وخالط أفراد أسرتك وزملاءك، وكلما أتتك تلك الخواطر، فقم من ذلك المكان، وتحول إلى مكان آخر، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، ومارس أعمالا نافعة تلهيك عن تلك الخواطر.
استمر في أخذ العقاقير الدوائية بالطريقة التي يصفها لك الطبيب، ولا تنقص الجرعة إلا بإذن منه، مع الإلحاح بالدعاء في أوقات الإجابة أن ينصرك الله على الوسواس.
أسأل الله تعالى لك الشفاء العاجل، وأن يسمعنا عنك خيرا، ونسعد بتواصلك.