السؤال
السلام عليكم
ولدي يبلغ من العمر ١٥ عاما، طويل وضخم الجثة، وحاد الطباع جدا، يضرب إخوته الصغار ويسب أخواته، وقد طرده أبوه من المنزل قبل مدة بعد فصله من المدرسة بسبب سوء أخلاقه، وبقي ينام في المسجد لمدة ١٠ أيام، فكنت لا أنام الليل من البكاء عليه والحزن، حتى أقنعت والده بضرورة رجوعه إلى البيت.
كان هذا الكلام في الشتاء الماضي، وإلى هذه الأيام تحدث بيني وبينه بعض المشاكل بين فترة وأخرى بسبب بذاءة لسانه، وتركه الصلاة، وضربه لإخوته الصغار.
إلى اليوم الذي أحدثكم فيه، عندما جاءني أخوه الصغير يبكي بسبب أخيه؛ لأنه ضربه، فذهبت إليه، فرد علي بردود تغضب أي إنسان، فضلا عن كوني والدته! حتى وصل الأمر إلى أن أسمعني عدة كلمات غير لائقة، مثل: "لولا أنك أمي لضربتك"، وغيرها من الكلمات.
أرجو منكم توجيهي؛ لأني في حيرة من أمري، أشعر أن وجوده في البيت يضر العائلة كلها، وفي الوقت نفسه فإن الشارع مليء بالكثير من الأشياء السيئة، ما العمل؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم عثمان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بنا، ونسأل الله أن يعينك ويثبتك، فأنت أم صابرة محتسبة، تسهرين الليالي من أجل ولدك، رغم كل ما تعانينه منه.
فهمنا من رسالتك أنك تعيشين محنة قاسية مع ابنك الذي بلغ الخامسة عشرة، فهو حاد الطباع، يضرب إخوته الصغار، ويسيء الأدب مع أخواته، وقد وصل به الأمر أن أسمعك كلاما لا يليق بأم، وقد سبق أن طرد من البيت، ونام في المسجد عشرة أيام، ثم عاد ليعيش دورة متكررة من المشكلات، وأنت اليوم في حيرة بين خوفك على العائلة من أذاه، وخوفك عليه من ضياعه في الشارع، وهذا شعور طبيعي جدا يعتصر قلب كل أم في مثل موقفك، ولا تلومي نفسك على هذا التردد، فهو دليل رحمتك، وحرصك في آن واحد.
اعلمي أختي الكريمة أن الابتلاء بالأولاد من أعظم الابتلاءات التي يمتحن الله بها الوالدين، وقد قال سبحانه ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم﴾، فما تمرين به فتنة وابتلاء، يرفع الله به درجتك إن صبرت واحتسبت، ومع هذا فإن الصبر لا يعني السكوت عن الخطأ، أو ترك الأمر يتفاقم، بل الصبر الحقيقي يكون بالأخذ بالأسباب، مع اللجوء إلى الله، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مع شدة رحمته يربي ويوجه، ولا يترك الخطأ دون معالجة، وقد أرشدنا الله في كتابه إلى الرفق في الخطاب حتى مع من هو أشد عنادا، فقال لموسى وهارون في مخاطبة فرعون: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾، فإذا كان هذا في مخاطبة طاغية، فكيف بابن يحتاج إلى من يفهمه، لا من يقسو عليه فحسب.
يمكن أن ننظر إلى حال ابنك من زاويتين لا تتعارضان، بل تكملان بعضهما:
الزاوية الأولى: أن ما يمر به قد يكون جزءا من أزمة مراهقة حادة، يعيش فيها صراعا مع هويته ومكانته داخل الأسرة، فيعبر عن هذا الصراع بالعنف والتمرد؛ لأنه لا يملك أدوات أخرى للتعبير.
الزاوية الثانية: أن حدة هذا السلوك وتكراره وامتداده منذ فترة طويلة، قد يشير إلى وجود اضطراب سلوكي أو نفسي كامن، يحتاج إلى تقييم متخصص، ولسنا هنا بصدد تشخيصه، فهذا ليس دورنا، ولا يصح عبر مثل هذا التواصل، لكن الأمانة تقتضي أن ننبهك إلى ضرورة عرضه على مختص نفسي، أو سلوكي مؤهل، يقيم حالته عن قرب، فطلب المساعدة المتخصصة ليس عجزا منك، بل هو من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لكل داء دواء)، فإذا أصاب الدواء الداء برئ بإذن الله عز وجل، والدواء هنا يشمل ما تقدمه العلوم النفسية والتربوية من أدوات لفهم مثل هذه الحالات وعلاجها.
أما من الناحية العملية؛ فأول ما ننصحك به هو حماية إخوته الصغار من أذاه الجسدي بشكل فعلي وواضح، بأن يكون هناك إشراف مباشر من الأب، أو من شخص بالغ عند اجتماعهم، وأن تعاد ترتيبات المنزل؛ بحيث لا يترك وحده مع الصغار في لحظات الغضب، فحمايتهم واجبة، ولا تتعارض مع محبتك له.
الأمر الآخر هو أهمية إشراك والده بشكل فاعل ومستمر، لا بشكل رد فعل عند الأزمات فقط، فالابن في هذا السن يحتاج قدوة رجولية حازمة ورحيمة في آن واحد، ولا يصح أن يظل عبء التوجيه على الأم وحدها، ومن المهم أيضا أن تبحثي عن رجل يحترمه ابنك، ويثق به من غير الوالدين، كقريب صالح، فكثير من المراهقين يستجيبون لصوت خارج دائرة الوالدين أكثر من استجابتهم للأب والأم مباشرة.
وأما ما يخص إساءته في الحديث معك، فلا بد من وضع حدود واضحة وثابتة، لما يقبل وما لا يقبل من الألفاظ، توضع بهدوء لا بصراخ، وتطبق بثبات لا بتراخ، فالحزم مع الرحمة أجدى من اللين المطلق، أو الشدة المطلقة.
ولا تنسي نصيبه من الجانب الإيماني، فتركه للصلاة أمر خطير في ذاته، وقد يكون سببا في قسوة قلبه، فحاولي أن تقربيه من الصلاة بلطف، لا بإلزام قهري في هذه المرحلة، وابحثي عن حلقة قرآن، أو برنامج شبابي في مسجد قريب يجمعه مع رفقة صالحة، فالبيئة والرفقة لها أثر عظيم في تغيير سلوك المراهق، فإذا صلحت رفقته صلح كثير من حاله -بإذن الله- وقد قال الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه*** فكل قرين بالمقارن يقتدي
أختي الكريمة، تذكري أن ما تفعلينه اليوم من صبر ومتابعة ومحاولة رغم الألم، هو استثمار طويل الأمد، قد لا تظهر ثمرته الآن، لكنها لن تضيع بإذن الله، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وابنك ما زال في مرحلة تشكل فيها شخصيته، وأمامه فرص كبيرة للتغيير، إن وجد من يوجهه بحزم ورحمة ومتابعة متخصصة.
نسأل الله أن يصلح لك ولدك، وأن يشرح صدرك، وأن يجعل ما تلقينه من صبر في ميزان حسناتك، وأن يهدي ابنك سواء السبيل.