السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
منذ أن بلغت الخامسة من عمري، وأنا أشعر بأن أمي تكرهني، ولم أشعر أبدا بأنها أمي حقا؛ فلا توجد بيننا أسرار كما هو الحال بين كثير من الأمهات وبناتهن.
لجأت إلى النوم هربا من وجعي وحزني، ولم يمر يوم دون خلاف أو شجار بيننا، كما أنها تحرمني من أبسط الأشياء، حتى من التواجد والاختلاط مع الآخرين، وأحيانا تعاملني كطفلة صغيرة، لا كفتاة. تضحك مع إخوتي وتهتم بهم، لكنها تقابلني بوجه عابس، وأشعر بأن الكره ظاهر على ملامحها، ولا أثق بها؛ لأنها تخبر أبي بكل شيء.
أتناول دواء للاكتئاب؛ لأتغلب على وجعي، كما أنني أصاب بسبب حزني برعشة قوية في جسمي، وقد سألت نفسي: عند موتي أو الابتعاد عنها، هل سيجعلها تشعر بفقداني؟
أقرأ القرآن الكريم كل يوم؛ وأقرأ سورة الفاتحة، وسورة البقرة، وآية الكرسي، وسور الإخلاص والفلق والناس، كما أحافظ على أذكار الصباح والمساء؛ لتحصين نفسي والوقاية من العين والحسد والسحر.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ Nadine، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
الأخت الكريمة، نشكر لك تواصلك مع موقع إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويخفف عنك ألمك، ويعوضك خيرا عما تعانيه.
نجد في كلامك مشاعر متراكمة منذ سنوات طويلة، ولذلك فمن الطبيعي أن تكون نظرتك إلى علاقتك بأمك متأثرة بما مررت به من خلافات وشعور بالحرمان وقلة الاحتواء، ولا ينبغي أن نستهين بهذا الألم، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي أن نجزم بأن أمك تكرهك أو أنها نرجسية؛ فهذه أحكام تحتاج إلى قرائن وتقييم متخصص، وقد يكون ما ترينه كراهية ناتجا عن اختلاف في طريقة التعبير، أو عن شدة في التربية، أو حرص زائد، أو تراكم طويل من سوء الفهم بينكما.
والأصل أن الأم تحمل لأبنائها من الرحمة والمحبة ما يجعلها تضحي براحتها ووقتها من أجلهم، وهذه التضحية من أعظم صور الفطرة التي أودعها الله في الأمهات، ولذلك أمرنا سبحانه ببر الوالدين والإحسان إليهما، فقال تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا} [الأحقاف: 15].
لكن بر الوالدين لا يعني أن تنكري مشاعرك أو تتعاملي مع الألم وكأنه غير موجود، وإنما يعني أن تبحثي عن الإصلاح مع المحافظة على الاحترام المتبادل، وأن تعالجي ما يؤلمك بطريقة حكيمة.
وقد يكون بعض ما ترينه تفضيلا أو كراهية مختلفا في حقيقته؛ فالأم قد تضحك مع أحد أبنائها أكثر، أو تكون أكثر لينا مع آخر، أو تشتد مع أحدهم لأنها تخاف عليه أو تحرص على مستقبله، فيتم تفسير هذا عند الابن أو البنت على أنه كراهية، وليس معنى ذلك أن مشاعرك غير حقيقية، وإنما أن المشاعر تصف تجربتك أنت، لكنها لا تكشف بالضرورة ما في قلب أمك.
وكذلك قولك إنك لا تثقين بأمك لأنها تخبر أباك بكل شيء، قد يكون من أسباب شعورك بأنها لا تحترم خصوصيتك، لكن قد يكون من جانب آخر حرصا منها على أن يعرف والدك ما يجري معك، وأن يقوم بدوره في رعايتك وحمايتك. وإذا كان هناك بالفعل أمور خاصة تحتاج إلى قدر من الخصوصية، فيمكن معالجة ذلك بالحوار الهادئ بدلا من بناء قناعة كاملة بأن أمك لا تحبك.
وأنت الآن في الرابعة والثلاثين، أي أنك أصبحت راشدة مستقلة قادرة على بناء علاقاتك واتخاذ قراراتك، ولذلك من المهم أن تنتقلي تدريجيا من انتظار أن تكون علاقتك بأمك كما تتمنين تماما، إلى بناء علاقة أكثر نضجا معها؛ فتتواصلي معها، وتعرفي ما تستطيعين مشاركته معها، وما تحتاجين إلى الاحتفاظ به لنفسك، وتندمجي بصورة أفضل مع والدك وأخواتك، دون أن تجعلي كل اختلاف معها دليلا على الرفض أو الكراهية.
وأما تناولك دواء للاكتئاب، مع وجود الحزن الشديد، وكثرة النوم، والرعشة الجسدية المؤلمة؛ فهذا يدل على أنك مررت بمعاناة نفسية حقيقية تستحق الرعاية، ولا ينبغي أن تحاولي مواجهتها وحدك، والرعشة قد ترتبط بالقلق أو الحالة النفسية، وقد تكون لها أسباب أخرى أو علاقة بالدواء نفسه؛ لذلك ينبغي أن تتابعي مع الطبيب الذي وصف لك الدواء، وألا توقفيه أو تغيري جرعته من تلقاء نفسك، وأن تخبريه بوضوح بكل الأعراض التي تشعرين بها.
وأما سؤالك: "هل موتي أو ابتعادي عنها سيجعلها تشعر بفقداني؟" فهذه العبارة بالذات تحتاج منا إلى التوقف عندها برفق وجدية؛ فحين يشتد الاكتئاب قد تتغير نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى الآخرين، وقد يشعر أنه غير محبوب أو أن غيابه لن يؤثر في أحد، وهذه ليست بالضرورة حقيقة، وإنما قد تكون جزءا من الحالة النفسية التي يمر بها، وأنت ابنة لأمك، ومهما كثرت الخلافات بينكما، فمن الطبيعي أن يكون لوجودك وغيابك أثر عميق فيها وفي أسرتك.
لذلك لا تجعلي الموت وسيلة لاختبار محبتها أو لإيصال رسالة ألمك إليها؛ حياتك أغلى من أن تكون محل اختبار لمشاعر أحد، وإذا كانت أفكار الموت مجرد أفكار عابرة، فأخبري طبيبك المعالج عنها بوضوح، وإذا تحولت إلى رغبة في إيذاء نفسك أو شعرت أنك قد تقدمين على ذلك، فلا تبقي وحدك، وأخبري والدك أو شخصا تثقين به فورا واطلبي مساعدة عاجلة.
ومن الأمور الجميلة جدا في رسالتك محافظتك على قراءة القرآن وأذكار الصباح والمساء، وهذا يدل على أصل طيب وحرص على الصلة بالله، فاستمري على ذلك، واجعلي القرآن مصدر سكينة وهداية، لا وسيلة لزيادة الخوف والقلق، والتحصن المشروع من القرآن والأذكار أمر حسن، مع الأخذ بالأسباب الطبية والنفسية، وعدم تفسير كل معاناة بأنها عين، أو حسد، أو سحر دون دليل.
وأما علاقتك بأمك، فحاولي أن تختاري وقتا هادئا، بعيدا عن الخلاف، وتقولي لها بكلام خال من الاتهام: "أمي، أنا أحبك وأريد أن تكون علاقتي بك أفضل، لكنني أحيانا أشعر بالألم وأحتاج منك إلى الاحتواء والثقة، وأريد أن نتحدث بهدوء عما يضايق كل واحدة منا"، وقد تفاجئين بأن أمك تحمل تفسيرا مختلفا تماما لما حدث طوال هذه السنوات.
تواصلي مع والدك أيضا بصورة مباشرة، وأخبريه بمعاناتك، وما تحتاجينه منه ومن والدتك، ولا تجعلي الحديث معه مجرد شكوى من أمك، بل اجعليه طلبا للمساعدة في تحسين العلاقة وتهدئة الخلافات داخل الأسرة.
ومن المهم أن تضعي لنفسك بعض القواعد العملية كما يلي:
• لا تناقشي أمك وأنت غاضبة، ولا تفسري كل موقف على أنه كراهية.
• اختاري ما يستحق النقاش وما يمكن تجاوزه، وضعي حدودا واضحة فيما يخص خصوصيتك.
• ابتعدي مؤقتا عن الحوار إذا تحول إلى شجار، ثم عودي إليه في وقت أهدأ.
• يمكنك أيضا محاولة بناء علاقات طيبة مع إخوتك، ولا تجعلي علاقتك بهم منافسة على حب الأم؛ فمحبة الأم ليست بالضرورة كمية محدودة يأخذ منها أحد الأبناء نصيب الآخر.
وتذكري أن برك بأمك لا يعني أن تستسلمي للأذى إن وجد، كما أن وضع حدود محترمة لا يعني عقوقها، يمكنك أن تكوني بارة بها، وتختلفي معها، وتحتاجي إلى مسافة في بعض المواقف، وتختاري ما يناسبك من التواصل، مع طبع ذلك بصورة من الشفقة والرحمة، وأهم ما تحتاجينه الآن ألا تجعلي علاقتك بأمك هي المصدر الوحيد لقيمتك أو سعادتك.
اهتمي بعلاجك، وصلتك بالله، وعلاقاتك الصحية، وعملك أو أهدافك، وامنحي نفسك فرصة لبناء حياة مستقلة ومتوازنة، وكلما تحسنت حالتك النفسية، أصبحت قدرتك على فهم أمك والتعامل معها أكبر، وربما استطعت أن تري بعض الأحداث القديمة بصورة أكثر اتزانا.
فلا تحاولي الآن أن تحسمي السؤال: "هل أمي تكرهني أم تحبني؟"، وإنما اسألي سؤالا أكثر واقعية ونفعا: "كيف أستطيع أن أحسن علاقتي بها، وأحفظ نفسي، وأتعافى من الألم الذي تراكم في داخلي؟"، فهذا هو الباب الذي يمكنك أن تبدئي منه.
نسأل الله أن يشفي قلبك ونفسك، ويذهب عنك الحزن والقلق، ويجمع بينك وبين أمك على المحبة والرحمة، ويعينك على برها، ويرزقك السكينة والرضا، ويجعل القرآن ربيع قلبك، ويحفظك من كل سوء، ويكتب لك حياة طيبة هانئة.
وبالله التوفيق والسداد.