السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
استشارني قريب لي، وهو شاب، بأنه فقد الدافعية للحياة، وذكر لي أسبابا منها: غياب الهدف من حياته، وشعوره بأنه كالآلة يوميا، ويكسب الذنوب، مع محاولاته الفاشلة للاستيقاظ لصلاة الفجر حاضرا، والاستيقاظ المبكر، وإهمال مهامه، وأيضا إهمال دراسته بحجة أنه فقد الشغف منها ومل.
كما يشعر بأنه ليس هناك شيء جديد في حياته بقوله: "لا عمل، ولا زواج"، لكن فقط الدراسة، ولكنه لا يراها نعمة، بل يراها نقمة إضافية تعكر صباحه عندما يستيقظ، ويتذكر أنه يجب أن يدرس.
كما أنه يجلد ذاته بطريقة شبه دائمة بقوله: بأنه فاشل، ويهرب من الواقع والمهام إلى الجوال، كل ذلك يقيسه بأهدافه التي تراوده كل فترة، بأنه يجب أن يتم مهامه على أتم وجه، وأن يكون مؤثرا، والذي يحدث عكس هذا تماما، فهو يخلق فجوة كبيرة تمتلئ بوسوسة الشيطان، على أنه لن يصبح أفضل، وسيظل هكذا.
كما أود أن أذكر: بأنه يرتاد المسجد، وعنده دراسته الشرعية، أرجو الإرشاد منكم؛ لأساعده على النهوض بخطوات حتى ولو كانت طويلة، وتكون ذات أثر.
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، ونسأل الله أن يجزيك خيرا على حرصك على قريبك، وسعيك لمد يد العون له؛ فهذا بحد ذاته دليل على قلب رحيم، ونفس تحب الخير لأهلها.
فهمنا من رسالتك أن قريبك يعيش حالة من فقدان الدافعية، والشعور بالفراغ، تتلخص في غياب الهدف، وتكرار محاولات فاشلة للنهوض لصلاة الفجر، والاستيقاظ المبكر، وإهمال دراسته، بحجة فقدان الشغف، مع جلد شديد للذات، ووصف نفسه بالفاشل، ولجوء متكرر للهروب من الواقع عبر الجوال، كل ذلك في ظل مقارنة دائمة بينه وبين أهداف مثالية يضعها لنفسه، يريد من خلالها أن يكون متقنا لكل شيء، ومؤثرا في كل شيء؛ فإذا لم يتحقق ذلك، شعر أن الفجوة تتسع، ويتسلل إليها وسواس الشيطان بأنه لن يتغير أبدا.
هذه الحالة يمكن أن ننظر إليها من زاويتين متكاملتين:
الزاوية الأولى (روحية): فما يعيشه قريبك أقرب ما يكون إلى ما يعرف بدائرة الانتكاس الروحي؛ حيث يقصر العبد في عبادة أو واجب، فيتبع ذلك شعور بالذنب والخجل من الله، فينسحب من الطاعة ظنا منه أنه لا يستحقها، فيزداد التقصير، وهكذا تدور الدائرة، والشيطان هنا لا يهمه أن يوقعه في الذنب بقدر ما يهمه أن يقنعه بأنه لا يستحق العودة، قال تعالى: ﴿ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ [يوسف: 87]، فاليأس من التغيير ليس صفة المؤمن، ولو أذنب في كل يوم سبعين مرة.
الزاوية الثانية (نفسية سلوكية): فقريبك يقع فيما يعرف بالتفكير الكمالي؛ أي أنه يضع لنفسه سقفا مرتفعا جدا من الإتقان والتأثير، فإذا لم يبلغه، شعر بالفشل الكامل، وهذا النمط من التفكير يولد شللا في الإرادة؛ لأن النفس حين تعجز عن الكمال، تفضل أحيانا ألا تبدأ من الأساس، وهنا يصبح الجوال، والهروب من المهام، وسيلة تخدير مؤقتة، تزيد الفجوة اتساعا بدل أن تسدها.
من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- في مساعدة قريبك، أن تبدأ معه بفصل مفهوم النجاح عن مفهوم الكمال؛ فالدين لم يطلب من العبد أن يكون معصوما، بل طلب منه الاستمرار، وقد جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بمنهج وسطي واضح حين قال لمعاذ: (يا معاذ، إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق) [رواه أحمد]، فحتى الدين نفسه أمرنا أن نأخذه برفق لا بعنف، فكيف بأهداف الدنيا من دراسة، وعمل، وزواج.
ذكره أيضا أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، كما جاء في الحديث: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) [متفق عليه]؛ فالفجر الذي يصليه اليوم بصعوبة أحب إلى الله من فجر يتمنى صلاته يوما ما وهو لا يزال نائما، والاستمرار على القليل خير من الانقطاع بحثا عن الكثير.
الأمر الآخر: ساعده على تفكيك هدفه الكبير المبهم -وهو أن يكون مؤثرا ومتقنا- إلى خطوات صغيرة جدا يمكن قياسها؛ فبدل أن يطلب من نفسه أن يستيقظ لصلاة الفجر كل يوم، ويكون طالبا متفوقا، ويكون له أثر في الناس دفعة واحدة، يمكن أن يبدأ بهدف واحد صغير في الأسبوع؛ كأن يضبط منبها بعيدا عن سريره لأيام معدودة، أو يخصص نصف ساعة فقط للمذاكرة دون شرط الإتقان؛ فحين تصغر الخطوة يسهل تكرارها، وحين يتكرر الصغير يتحول مع الوقت إلى عادة راسخة، وهذا ما تحدثت عنه دراسات علم النفس السلوكي حول بناء العادات، وهو منسجم تماما مع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في محبة العمل القليل الدائم.
كما ينبغي أن تلفت نظره إلى الفرق بين التوبة وجلد الذات؛ فحين يقصر في مهمة، أو يفوته الفجر، فالاستغفار والعزم على المحاولة من جديد هما الطريق الشرعي، أما أن يصف نفسه بالفاشل، ويظل يكرر هذا الوصف لنفسه، فهذا ليس من التربية الإيمانية في شيء، بل هو باب آخر يدخل منه اليأس؛ فالله عز وجل يحب التواب، لا الذي يعاقب نفسه نيابة عنه.
وأما موضوع الدراسة: فحاول أن تفتح معه حوارا هادئا، حول كونها في أصلها نعمة لا نقمة؛ فليست كل الرغبة في العطاء والتأثير تحتاج إلى انتظار التخرج، أو الزواج، أو الوظيفة؛ فهو الآن يرتاد الجامع، ويطلب علما شرعيا، وهذا بحد ذاته أثر عظيم لو التفت إليه، فقد يكون الأثر الذي يبحث عنه أقرب مما يظن.
وأما ما يخص كثرة جلد الذات، والوصف المتكرر بالفشل، ومحاولاته المتكررة التي تنتهي دائما بنفس النمط: فهذا مما لا نستطيع الحكم عليه عن بعد، ولا نريد أن نسقط في فخ الإسقاطات التشخيصية.
لكن من باب الأمانة والنصح نقول: إن استمرار هذه الحالة لفترة طويلة، مع تكرار الشعور بأنه آلة بلا معنى، يستحسن معه أن يقابل مختصا نفسيا، يساعده على فهم هذا النمط عن قرب؛ فطلب المساعدة المتخصصة، مع الأخذ بالأسباب التي أمرنا بها ديننا، ليس علامة ضعف، بل علامة وعي، ورغبة صادقة في الشفاء، وقد يكون وجودك أنت من يقترح عليه هذه الخطوة بلطف، هو نفسه يكون سببا في تخفيف وطأة الفكرة عليه.
وتذكر أن دورك كقريب له، ليس أن تصلح كل شيء دفعة واحدة، بل أن تكون سندا يذكره برحمة الله كلما ضاقت به نفسه، وأن تحتفي معه بالخطوة الصغيرة كما لو كانت كبيرة؛ فالطريق الطويل لا يقطعه إلا من صبر على خطواته القصيرة، وقد قيل:
بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها ** تنال إلا على جسر من التعب
نسأل الله أن يرزق قريبك الهمة والعزيمة، وأن يشرح صدره، ويثبت قلبه، وأن يجعل كل خطوة يخطوها ولو صغيرة سببا في تفريج همه، ورفعة قدره عنده، وأن يوفقك لأن تكون له عونا صادقا في هذه المرحلة.