السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ضاقت علي الحياة، فلجأت إلى السلف والاقتراض، وكان أشد ما ابتليت به هو اعتياد كثرة الحلف بالله، حانثا كنت أم صادقا، وأعظم ما أرجوه من الله تعالى وأوله: أن يمن علي بتوبة نصوح تطهر لساني من كثرة الأيمان؛ فهذا أعظم ما يؤرق قلبي ويشغل بالي.
وأعظم ما أرجوه منه سبحانه أن يعينني على التخلص من السلف والديون، وأن يهديني إلى الصراط المستقيم، أن يصلح حالي مع زوجتي وأولادي، وأن يرزقني منزلا يكون سكنا لي ولأولادي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ Khaled حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الكريم- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالتالي:
أولا: شعور الإنسان بالخيبة لفشله في عمله، أو عدم الحصول على وظيفة، أو عدم تحقيق أهدافه، أو الانقطاع عن أهدافه، وكذلك ما يصيبه من أمراض، وابتلاءات، ومشاكل مع أسرته، وأهله، وأولاده، كل ذلك قد يصيبه بالإحباط والضيق. فالإنسان في هذه الحياة يمر بالكثير من المواقف التي تؤثر في مشاعره سلبا أو إيجابا، فتراه أحيانا سعيدا هادئا، وأحيانا حزينا مهموما، وهذا شأن الدنيا؛ فهي لا تدوم على حال، ولا تصفو لأحد.
لكن عليه أن يعمل بالحديث الوارد عن النبي ﷺ، قال: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له، وفي مسند أحمد، من حديث أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: عجبا للمؤمن، لا يقضي الله له شيئا إلا كان خيرا له. وفي صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه.
ثانيا: أما بالنسبة لحلفك بالله، صادقا أو كاذبا، فينبغي لك عدم الإكثار من الحلف، ولو كنت صادقا، لقول الله سبحانه وتعالى: {واحفظوا أيمانكم}، وقوله ﷺ: ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته؛ لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه (رواه مسلم).
فالمشروع للمسلم أن يقلل من الأيمان، ولو كان صادقا؛ لأن الإكثار منها قد يوقعه في الكذب.
ومعلوم أيضا أن الكذب حرام، وإذا كان مع اليمين صار الكذب أشد تحريما؛ فالحلف بالله كذبا هو أشد إثما، ويسمى عند العلماء باليمين الغموس، وسميت بذلك فقيل: لأنها تغمس صاحبها في النار، وقيل: تغمسه في الإثم، ولا منافاة بينهما. وقد عد النبي ﷺ اليمين الغموس من الكبائر، حيث قال: الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس (أخرجه البخاري).
وهذه اليمين لا تكفر عند جمهور العلماء، وإنما يلزم صاحبها التوبة فقط؛ أخرج الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود قال: "كنا نعد الذنب الذي لا كفارة له: اليمين الغموس".
ثالثا: أرشدنا رسولنا الكريم محمد ﷺ إلى أهمية الدعاء، فقال عليه الصلاة والسلام: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء (أخرجه الحاكم). فدعاء المسلم لا يضيع، والله تعالى أكرم من أن يرد سائلا، قال رسول الله ﷺ: إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا (رواه أحمد وصححه الألباني). ولكن للدعاء المقبول شروط لا بد من تحققها، وموانع لا بد من انتفائها، وآداب يرجى معها قرب الإجابة.
ثم إن إجابة الدعاء قد تقع بحصول ما دعا المسلم به بعينه في الحال، وقد تقع بعد وقت من دعائه، وهذا الوقت لا يعلم مقداره إلا الله. وقد يستجاب للعبد، ولكن لا يحصل المطلوب بعينه؛ فصور استجابة الدعاء تتنوع، قال رسول الله ﷺ: ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم (رواه الترمذي).
وفي رواية: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذا نكثر، قال: الله أكثر (رواه أحمد).
رابعا: وأما طلبك للهداية، فأمر مهم في حياتنا، وكان طلب الهداية حاضرا في أدعية النبي ﷺ؛ فقد روى ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه كان يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى (رواه مسلم).
وفي صحيح مسلم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء كان نبي الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
خامسا: وأما التوبة، فما أحسن أن يعترف الإنسان بخطئه، فيعود إلى الطريق الصحيح، نعم، يعود إلى رشده، تاركا تلك الأخطاء والمعاصي، ويقبل على رب رحيم كريم، يقبل توبة التائبين.
وقد يبتلى الإنسان بمرض، وتعب يلم به، وقد ينضم إلى ذلك تعب نفسي، فيظن أن هذا التعب الذي ألم به هو عنوان عدم قبول التوبة، وهذا تفكير خاطئ؛ فبمجرد أن يتوب الإنسان إلى ربه توبة نصوحا، فإن الله هو التواب الرحيم.
فلا تيأس؛ فإن الله تعالى قال عن المسرفين في الذنوب والمعاصي: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم}، وقال تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون}.
بل إن الله من سعة رحمته، وعفوه، وكرمه، يفرح بتوبة أحدنا إذا تاب إليه، كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه... (رواه مسلم)، فكم نحن سعداء أن لنا خالقا كريما، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، سبحان الله! وكما أن ذنوبنا لا تتوقف صباحا ومساء، وليلا ونهارا، فإن الله يفتح أبواب التوبة في كل وقت وحين، فلا تيأس من روح الله.
ثم عليك بالتفاؤل، والأمل، وإحسان الظن بالله تعالى في تفريج الكربات، وعليك بالذكر، والدعاء، وأكثر من قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"؛ فلعل الله تعالى أن يغير أحوالك من شدة وعسر إلى يسر وانفراج. ولا سيما أنك تطلب بناء منزل لأولادك، وحل مشاكلك مع الأهل، والأولاد، وكل ذلك بالتوبة، والاستغفار، مع العمل بالأسباب إن شاء الله.
وأكثر أيضا من الاستغفار؛ لقوله ﷺ: من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب (رواه أحمد).
سادسا: ولا بد أن تعلم أن كل خير أصله التوفيق، وهو بيد الله الكريم الرحمن، ومفتاحه الدعاء، والافتقار، وصدق اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى؛ فهو سميع الدعاء، عظيم الرجاء، فاصدق اللجوء إلى الله، وأكثر من الاستغفار؛ فهو من أسباب الرزق، وعليك بهذا الدعاء الوارد في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال، مع عدم الاستعجال في إجابة الدعاء.
وختاما: تفقد مواضع الخلل، والزلل في نفسك، مع الأخذ بالأسباب الشرعية، والمادية، وانهض بحياتك إلى الأفضل، والأكمل، مع التوكل على رب الأرض والسماء، ونسأل الله تعالى بمنه، وكرمه، وفضله، أن يمن عليك بالخيرات، والتوفيق، والتيسير في حياتك كلها، آمين.